فصل: ثم دخلت سنة ثمان وثمانين ومائتين

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: المنتظم في تاريخ الملوك والأمم **


 ثم دخلت سنة اثنتين وثمانين ومائتين

فمن الحوادث فيها‏:‏ أن المعتضد أمر بإنشاء الكتب إلى العمال في النواحي بترك افتتاح الخراج في النيروز الذي هو نيروز العجم وتأخير ذلك اليوم إلى الحادي عشر من حزيران وسمى ذلك النيروز المعتضدي وفي هذه السنة‏:‏ قدم ابن الجصاص من مصر ببنت أبي الجيش خمارويه بن أحمد لالتي يزوجها المعتضد ومعها أحد عمومتها وكان دخوله بغداد يوم الأحد لليلتين خلتا من المحرم وأدخلت الحرة ليلة الأحد فنزلت في دار صاعد وكان معتضد غائبًا بالموصل ثم نقلت إلى المعتضد لأربع خلون من ربيع الأول فنودي بجانبي بغداد أن لا يعبر أحد دجلة في يوم الأحد وغلقت أبواب الدروب التي يلين الشط ومد على الشوارع النافذة إلى دجلة شراع ووكل بحافتي دجلة من يمنع الناس أن يظهر في دورهم على الشط فلما صليت العتمة وافت سفينة من دار المعتضد فيها خدم معهم الشمع فوقفت بإزاء دار صاعد وكانت قد أعدت أربع حراقات شدت مع دارصاعد فلما جاءت تلك السفينة أحدرت الحراقات وصارت تلك السفينة بين أيديهم وأقامت الحرة يوم الاثنين في دار المعتضد وجليت عليه يوم الثلاثاء لخمس خلون من ربيع الأول ‏.‏

وفي هذه السنة منع المعتضد الناس من عمل ما كانوا يعملون به من نيروز العجم من صب الماء وإيقاد النيران وغير ذلك وكان هذا من أحسن ما اعتمده المعتضد ‏.‏

وفيها‏:‏ شخص المعتضد إلى الجبل فبلغ الكرج وأخذ أموال لأبي دلف وكتب إلى عمر بن عبد العزيز بن أبي دلف يطلب منه جوهرًا كان عنده فوجه به إليه وتنحى من بين يديه ‏.‏

وفيها‏:‏ وجه محمد بن زيد العلوي من طبرستان إلى محمد بن ورد العطار اثنين وثلاثين ألف دينار ليفرقها على العلوية بالحرمين والكوفة وعلى من في بغداد فسعى به فأحضر دار بدر وسئل عن ذلك فذكر أنه يوجه إليه في كل سنة بمثل هذا المال فيفرقه على من يؤمر بالتفرقة عليه من العلويين فأمر بدر المعتضد بذلك وأخبره أن الرجل والمال عندنا فما ترى وما تأمر فقال‏:‏ أما تذكر الرؤيا التي خبرتك بها فقال‏:‏ لا يا أمير المؤمنين‏!‏ فقال‏:‏ إن الناصر دعاني فقال‏:‏ اعلم أن هذا الأمر سيصير إليك فانظر كيف تكون مع آل علي بن أبي طالب عليه السلام ثم قال‏:‏ رأيت في النوم كأني خارج من بغداد أريد ناحية النهروان إذ مررت برجل واقف على تل يصلي لا يلتفت إلي فعجبت منه ومن قلة اكتراثه بعسكري مع تشوف الناس إلى العسكر فأقبلت إليه حتى وقفت بين يديه فلما فرغ من صلاته قال لي‏:‏ أقبل‏!‏ فأقبلت إليه ‏.‏

فقال‏:‏ لا قال‏:‏ أنا علي بن أبي طالب خذ هذه المسحاة فاضرب بها في الأرض فأخذتها فضربت بها ضربات فقال‏:‏ إنه سيلي من ولدك هذا الأمر بقدر ما ضربت فأوصهم بولدي خيرًا ‏.‏

قال بدر‏:‏ فقلت‏:‏ بلى يا أمير المؤمنين قد ذكرت‏!‏ قال‏:‏ فأطلق الرجل وأطلق المال وتقدم إليه أن يكتب إلى صاحبه بطبرستان أن يوجه إليه ما يوجهه ظاهرًا ويفرقه ظاهرًا وتقدم بمعونة هذا على ما يريد من ذلك ‏.‏

وفيها‏:‏ قدم إبراهيم بن أحمد الماذرائي لاثنتي عشرة ليلة بقيت من ذي الحجة من دمشق على طريق البر فوافى بغداد في أحد عشر يومًا فأخبر المعتضد أن خمارويه ذبحه بعض خدمه على فراشه وكان قد بعث مع ابن الجصاص إلى خمارويه هدايا فأرسل إليه فرده من الطريق وولي بعد خمارويه ابنه جيشًا فقتلوه وانتهبوا داره وأجلسوا أخاه هارون بن خمارويه فتقرر أنه يحمل إلى خزانة المعتضد في كل سنة ألف ألف دينار وخمسمائة ألف دينار فلما ولي المكتفي عزله وولى مكانه محمد بن سليمان الواثقي فأخذ أموال آل طولون وكان هذا آخر أمرهم. ‏

 ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر

أحمد بن داود بن موسى أبو عبد الله السدوسي بصري ويعرف بالمكي وكان ثقة ‏.‏

أقام بمصر وتوفي بها في صفر هذه السنة ‏.‏

إسماعيل بن إسحاق بن حماد بن زيد بن درهم أبو إسحاق الأزدي مولى جرير بن حازم من أهل البصرة ‏.‏

ولد سنة تسع وتسعين ومائة وقيل مائتين ونشأ بالبصرة وامتد عمره فحملت عنه علوم كثيرة وسمع محمد بن عبد الله الأنصاري ومسلم بن إبراهيم الفراهيدي والقعنبي وابن المديني وغيرهم وروى‏:‏ عنه البغوي وابن صاعد وابن الأنباري وغيرهم وكان فاضلًا متقنًا فقيهًا على مذهب مالك شرح مذهبه ولخصه واحتج له وصنف ‏"‏ المسند ‏"‏ وكتبًا عدة في علوم القرآن وجمع حديث مالك ويحيى بن سعيد الأنصاري وأيوب السختياني ‏.‏

وولي القضاء في خلافة المتوكل لما مات سوار بن عبد الله وكان قاضي القضاة حينئذ بسر من رأى أبو جعفر بن عبد الواحد الهاشمي فأمر المتوكل أن يولي إسماعيل قضاء الجانب الشرقي من بغداد فولاه سنة ست وأربعين ومائتين وجمع له قضاء الجانبين بعد ذلك بسبع عشرة سنة ولم يزل قاضيًا على عسكر المهتدي إلى سنة خمس وخمسين ومائتين فإن المهتدي قبض على حماد بن إسحاق أخي إسماعيل وضرب بالسياط وأطاف به على بغل بسر من رأى لشيء بلغه عنه وصرف إسماعيل بن إسحاق عن الحكم واستتر وكان قاضي القضاة بسر من رأى الحسن بن محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب ثم صرف عن القضاء في هذه السنة وولي القضاء عبد الله بن نائل بن نجيح ثم رد الحسن بن محمد في هذه السنة إلى القضاء ثم استقصى المهتدي على الجانب الشرقي القاسم بن منصور التميمي نحو سبعة أشهر ثم قتل المهتدي فأعاد المعتمد إسماعيل بن إسحاق على الجانب الشرقي ببغداد في سنة ست وخمسين فلم يزل إلى سنة ثمان وخمسين ثم سأل الموفق أن ينقله إلى الجانب الغربي وكان على قضاء الجانب الغربي وكان على قضاء الجانب الغربي بالشرقية وهي الكرخ البرتي وعلى مدينة المنصور أحمد بن يحيى فأجابه إلى ذلك وكره ذلك قاضي القضاة ابن أبي الشوارب واجتهد في رد ذلك فما أمكنه لتمكن إسماعيل من الموفق بالله فأجيب إسماعيل إلى ما سأل ونقل البرتي إلى قضاء الشرقية إلى الجانب الشرقي وإسماعيل على الغربي بأسره إلى سنة اثنتين وستين ومائتين ثم جمعت بغداد بأسرها لإسماعيل بن إسحاق وصرف البرتي وقلد المدائن والنهروانات وقطعة من أعمال السواد وكان ابن أبي الشوارب قد توفي في سنة إحدى وستين فولي أخوه علي بن محمد مكانه وكان يدعى بقاضي القضاة وصار إسماعيل المقدم ذكره على سائر القضاة ولم يقلد قضاء القضاة إلى أن توفي ‏.‏

أخبرنا القزاز أخبرنا أبو بكر بن ثابت قال‏:‏ أخبرني محمد بن أحمد بن يعقوب قال‏:‏ أخبرنا محمد بن نعيم الضبي قال‏:‏ سمعت محمد بن الفضل النحوي يقول‏:‏ سمعت أبا الطيب عبد الله بن شاذان يقول‏:‏ سمعت يوسف بن يعقوب يقول‏:‏ قرأت توقيع المعتضد إلى عبيد الله بن سليمان بن وهب الوزير‏:‏ واستوص بالشيخين الخيرين الفاضلين إسماعيل بن إسحاق الأزدي وموسى بن إسحاق الخطمي خيرًا فإنهما ممن أراد الله بأهل الأرض سوءًا دفع عنهما بدعائهما ‏.‏

أخبرنا القزاز أخبرنا أحمد بن علي الحافظ أخبرنا عبيد الله بن أبي الفتح أخبرنا إسماعيل بن سمعت أبا العباس المبرد يقول‏:‏ لما توفيت والدة إسماعيل بن إسحاق القاضي ركبت إليه أعزيه وأتوجع له وألفيت عنده الجلة من بني هاشم والفقهاء والعدول ومستوري مدينة السلام فرأيت من ولهه ما أبداه ولم يقدر على ستره وكل يعزيه وقد كلن لا يسلو فلما رأيت ذلك منه ابتدأت بعد التسليم فأنشدته‏:‏ لعمري لئن غال ريب الزما - ن فينا لقد غال نفسا حبيبة ولكن علمي بما في الثواب عند المصيبة ينسي المصيبة فتفهم كلامي واستحسنه ودعا بدواة وكتبه ورأيته بعد قد انبسط وجهه وزال عنه ما كان فيه من تلك الكآبة وشدة الجزع ‏.‏

توفي إسماعيل ليلة الأربعاء لثمان بقين من ذي الحجة من هذه السنة وقت صلاة العشاء الآخرة فجأة ‏.‏

إسماعيل بن محمد بن أبي كثير أبو يعقوب الفارسي الفسوي سكن بغداد وحدث بها عن قتيبة وابن راهويه وغيرهما ‏.‏

روى عنه‏:‏ أبو بكر الشافعي وتوفي في شعبان هذه السنة ‏.‏

بدر بن المنذر بن بدر أبو بكر المغازلي واسمه‏:‏ أحمد لكنه لقب ببدر فغلب عليه ‏.‏

روى عنه النجاد وغيره وكان ثقة ويعد من الأولياء وكان صبورًا وكان أحمد بن حنبل يكرمه ويقول‏:‏ من مثل بدر بدر قد ملك لسانه‏!‏ توفي بدر في جمادى الأولى من هذه السنة بالجانب الغربي ‏.‏

أخبرنا أبو منصور القزاز أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت أخبرنا إسماعيل بن أحمد الحيري أخبرنا محمد بن الحسين السلمي قال‏:‏ قال أبو أحمد الحربي‏:‏ كنت مع بدر المغازلي وكانت امرأته باعت دارًا لها بثلاثين دينارًا ‏.‏

فقال لها بدر‏:‏ نفرق هذه الدنانير في إخواننا ونأكل رزق يوم بيوم فأجابته إلى ذلك فقالت‏:‏ تزهد أنت ونرغب نحن هذا ما لا يكون ‏.‏

أبو الفضل الطيالسي سمع من عفان وعارم ومسدد ويحيى بن معين وغيرهم ‏.‏

روى عنه‏:‏ ابن صاعد وابن مخلد والنجاد ‏.‏

وكان ثقة ثبتًا صدوقًا حسن الحفظ صعب الأخذ ‏.‏

توفي ليلة الجمعة للنصف من رمضان هذه السنة ‏.‏

جعفر بن محمد بن عبد الله بن بشر بن كزال أبو الفضل السمسار حدث عن عفان وأحمد بن حنبل وغيرهما ‏.‏

روى عنه‏:‏ أبو بكر الشافعي ‏.‏

قال‏:‏ الدارقطني ليس بالقوي ‏.‏

وتوفي في شوال هذه السنة ‏.‏

الحسين بن حميد بن الربيع بن حميد بن مالك بن سحيم أبو عبد الله اللخمي الخزاز الكوفي قدم بغداد وحدث بها عن أبي نعيم الفضل بن دكين وغيره ‏.‏

روى عنه‏:‏ أبو عمرو السماك ‏.‏

وكان فهمًا عارفًا له كتاب مصنف في التاريخ ‏.‏

توفي في ذي الحجة من هذه السنة ‏.‏

الحسين بن محمد بن عبد الرحمن صاحب بشر الحافي كتب الناس عنه شيئًا من الحكايات وأطرافًا من الحديث وتوفي في شوال هذه السنة ‏.‏

الحارث بن محمد بن أبي أسامة أبو محمد التميمي ولد في شوال سنة ست وثمانين ومائة وسمع علي بن عاصم ويزيد بن هارون وروح بن عبادة وعفان بن مسلم ‏.‏

روى عنه‏:‏ أبو بكر بن أبي الدنيا وابن جرير وابن مخلد والنجاد وأبو بكر الشافعي والخلدي وكان صدوقًا ثقة ‏.‏

وتوفي يوم عرفة من هذه السنة وقد بلغ ستًا وتسعين سنة ‏.‏

خالد بن يزيد بن وهب بن جرير بن حازم أبو الهيثم الأزدي حدث عن أبيه ‏.‏

روى عنه‏:‏ محمد بن خلف بن المرزبان كان ينزل في مدينة المنصور ثم خرج إلى البصرة ‏.‏

فتوفي بها في هذه السنة ‏.‏

خمارويه بن أحمد بن طولون ‏.‏

عقدت له الولاية على مصر وأعمال أبيه بعد موته فأنفذ الموفق ابنه المعتضد لمحاربته فالتقيا في شوال سنة إحدى وسبعين ومائتين بالصعيد فانكسر خمارويه وركب حمارًا هاربًا إلى مصر ووضع أصحاب المعتضد بالله السلاح وهم يظنون أنهم لا طالب لهم فخرج كمين لخمارويه عليهم فانهزموا وذهب ما كان في العسكر من الأموال والسلاح ثم أن المعتضد تزوج بابنة خمارويه وجاء بها ابن الجصاص فوجه المعتضد معه إلى خمارويه هدايا وأودعه رسالة فشخص بها ابن الجصاص فلما وصل سامرا وصل الخبر إلى المعتضد أن بعض خدم خمارويه ذبحه على فراشه في ذي الحجة سنة اثنتين وثلاثين سنة وقتل من أصحابه الذين اتهموا بقتله نيف وعشرون خادمًا ‏.‏

الفضل بن محمد بن المسيب بن موسى بن زهير بن يزيد بن كيسان بن باذان وهو ملك اليمن الذي أسلم بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم - أبو محمد الشعراني ‏.‏

كان أديبًا فقيهًا عابدًا كثير الرحلة في طلب الحديث فهمًا عارفًا بالرجال ‏.‏

سمع بمصر والحجاز والشام والكوفة والبصرة وواسط والجزيرة وخراسان وسأل يحيى بن معين عن الرجال وسأل علي بن المديني وأحمد بن حنبل عن العلل وأخذ اللغة عن ابن الأعرابي وقرأ القرآن على خلف بن هشام وكان ثقة صدوقًا ‏.‏

مروزي الأصل سمع عفان بن مسلم وسليمان بن حرب وعبد الصمد بن حسان وغيرهم ‏.‏

أخبرنا عبد الرحمن بن محمد أخبرنا أحمد بن علي الخطيب قال‏:‏ كان ثقة وذكره الدارقطني فقال‏:‏ لا بأس به وتوفي في هذه السنة ‏.‏

محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن عمارة بن القعقاع أبو قبيصة الضبي روى عنه‏:‏ ابن السماك وأبو بكر الشافعي وكان ثقة وذكره الدارقطني فقال‏:‏ لا بأس به ‏.‏

أخبرنا عبد الرحمن بن محمد أبو منصور القزاز أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت قال‏:‏ حدثني الحسن بن أبي طالب حدثنا يوسف بن عمر القواس قال‏:‏ حدثنا إسماعيل بن علي قال‏:‏ قال لنا أبو قبيصة‏:‏ تزوجت أم أولادي هؤلاء فلما كان بعد الأملاك بأيام قصدتهم للسلام فاطلعت من شق الباب فرأيتها فأبغضتها وهي معي منذ ستين سنة قال إسماعيل‏:‏ كان هذا الشيخ من أدرس من رأيناه للقرآن سألته عن أكثر ما قرأه في يوم من أيام الصيف إنه قرأ في يوم من أيام الصيف الطوال أربع ختمات وبلغ في الخامسة إلى براءة وأذن المؤذن العصر وكان من أهل الصدق ‏.‏

توفي في ربيع الأول من هذه السنة ‏.‏

محمد بن القاسم بن خلاد بن ياسر بن سليمان أبو عبد الله الضرير ويعرف بأبي العيناء مولى أبي جعفر المنصور فله ولاؤه وسبب ذلك أنه قال لأبي زيد‏:‏ كيف تصغر عينًا فقال‏:‏ عيينًا يا أبا العيناء ‏.‏

ولد بالأهواز في أول سنة إحدى وتسعين ومائة ونشأ بالبصرة وقد سمع من أبي عاصم النبيل وأبي عبيدة والأصمعي وأبي زيد وعمي بعد أربعين سنة وكان من أفصح الناس وأحفظهم وأسرعهم جوابًا ومسنداته قليلة والغالب على روايته الحكايات ‏.‏

أخبرنا أبو منصور القزاز أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت حدثنا أبو الفرج أحمد بن محمد بن عمر المعدل أخبرنا أحمد بن كامل القاضي حدثنا أبو العيناء محمد بن القاسم قال‏:‏ أتيت عبد الله بن داود الخريبي فقال‏:‏ الحديث ‏.‏

قال‏:‏ اذهب فتحفظ القرآن قلت‏:‏ قد حفظت القرآن ‏.‏

قال‏:‏ اقرأ ‏{‏واتل عليهم نبأ نوح‏}‏ فقرأت عليه العشر حتى أنفذته قال‏:‏ فقال‏:‏ اذهب الآن فتعلم الفرائض قال‏:‏ قلت‏:‏ قد تعلمت الجد والصلب والكبر قال‏:‏ فأيما أقرب إليك ابن أخيك أو ابن عمك قال‏:‏ قلت‏:‏ ابن أخي ‏.‏

قال‏:‏ ولم قلت‏:‏ لأن أخي من أبي وابن عمي من جدي قال‏:‏ اذهب الآن فتعلم العربية قال‏:‏ لم قال عمر بن الخطاب حين طعن ‏"‏ يال الله يال المسلمين ‏"‏ لما فتح تلك وكسر هذه قال‏:‏ قلت‏:‏ فتح تلك اللام على الدعاء وكسر هذه على الدعاء والاستغاثة والاستنصار فقال‏:‏ لو حدثت أحدًا حدثتك‏!‏ ‏.‏

أخبرنا القزاز قال‏:‏ أخبرنا أحمد بن علي بن أيوب القمي قال‏:‏ أخبرنا محمد بن عمران المرزباني قال‏:‏ أخبرني محمد بن يحيى قال‏:‏ حدثنا أبو العيناء قال‏:‏ قال لي المتوكل‏:‏ قد اخترتك لمجالستي‏!‏ قلت‏:‏ لا أطيق ذلك ولا أقول ذلك جهلًا بما لي في هذا المجلس من الشرف ولكني رجل محجوب والمحجوب تختلف إشارته ويخفى عليه الإيماء ويجوز على أن يتكلم بكلام غضبان ووجهك ووجهك راضٍ وبكلام راضٍ ووجهك غضبان ومتى لم أميز هذين هلكت‏!‏ فقال‏:‏ صدقت ولكن أتلزمنا ‏.‏

فقلت‏:‏ وقد روي أن المتوكل قال‏:‏ أشتهي أن أنادم أبا العناء لولا أنه ضرير ‏.‏

فقال أبو العيناء‏:‏ إن أعفاني أمير المؤمنين من رؤية الأهلة ونقش الخواتيم فإني أصلح ‏.‏

أخبرنا القزاز أخبرنا أبو بكر الخطيب قال‏:‏ أخبرني أحمد بن محمد بن أحمد بن يعقوب قال‏:‏ حدثني جدي محمد بن عبد الله بن ترنحل حدثنا محمد بن يحيى حدثنا محمد بن القاسم بن خلاد أبو العيناء قال‏:‏ دعا المنصور جدي خلادًا وكان مولاه فقال له‏:‏ أريدك لأمر أهمني وقد اخترتك له وأنت عندي ‏.‏

كما قال أبو ذؤيب الهذلي‏:‏ ألكني إليها وخير الرسو - ل أعلمهم بنواحي الخبر فقال له‏:‏ أرجو أن أبلغ رضا أمير المؤمنين فقال‏:‏ صر إلى المدينة على أنك من شيعة عبد الله بن حسن وابذل له الأموال واكتب إلي بأنفاسه وأخبار ولده فأرضاه ‏.‏

ثم علم عبد الله بن حسن أنه أتي من قبله قال‏:‏ فنحن نتوارث ذلك إلى الساعة ‏.‏

ورويت أن أبا العيناء تأخر رزقه فشكا إلى عبيد الله بن سليمان قال‏:‏ ألم نكن كتبنا لك إلى ابن المدبر فما فعل في أمرك قال‏:‏ جرني على شوك المطل وحرمني ثمرة الوعد‏!‏ فقال‏:‏ أنت اخترته‏!‏ فقال‏:‏ ما علي فقد اختار موسى من قومه سبعين رجلًا فما كان فيهم رجل رشيد فأخذتهم الرجفة واختار النبي صلى الله عليه وسلم بن أبي سرح كاتبًا فلحق بالكفار مرتدًا واختار علي أبا موسى فحكم عليه ‏.‏

قال المصنف‏:‏ خرج أبو العيناء من البصرة فقدم بغداد وكان السبب في خروجه من البصرة ما أخبرنا به أبو منصور القزاز أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت أخبرنا أبو القاسم الأزهري وأحمد بن عبد الواحد الوكيل قالا‏:‏ أخبرنا محمد بن جعفر التميمي أخبرنا أبو بكر الصولي عن أبي العيناء قال‏:‏ كان سبب خروجي من البصرة وانتقالي عنها‏:‏ أني مررت بسوق النخاسين يومًا فرأيت غلامًا ينادى عليه وقد بلغ ثلاثين دينارًا وهو يساوي ثلاثمائة دينار فاشتريته وكنت أبني دارًا فدفعت إليه عشرين دينارًا على أن ينفقها على الصناع فجاءني بعد أيام يسيرة فقال‏:‏ قد نفدت النفقة‏!‏ فقلت‏:‏ هات حسابك‏!‏ فرفع حسابًا بعشرة دنانير‏!‏ قلت‏:‏ أين الباقي قال‏:‏ قد اشتريت به ثوبًا مصمتًا وقطعته قلت‏:‏ من أمرك بهذا قال‏:‏ لا تعجل يا مولاي فإن أهل المروءة والأقدار لا يعيبون على غلمانهم إذا فعلوا فعلًا يعود بالزين على مواليهم فقلت في نفسي‏:‏ أنا اشتريت الأصمعي ولم أعلم ‏.‏

قال‏:‏ وكانت في نفسي امرأة أردت أن أتزوجها سرًا من ابنة عمي فقلت له يومًا‏:‏ أفيك خير قال‏:‏ أي لعمري‏!‏ فأطلعته على الخبر فقال‏:‏ اشتر لنا كذا وكذا يكون فيما تشتريه سمك هازبي فمضى ورجع وقد اشترى ما أردت إلا أنه اشترى سمك مارماهي فغاظني ذلك قلت‏:‏ أليس أمرتك أن تشتري هازبي قال‏:‏ بلى ولكن رأيت بقراط يقول‏:‏ إن الهازبي يولد السوداء ويصف المارماهي ويقول‏:‏ أنه أقل غائلة فقلت‏:‏ يا ابن الفاعلة‏!‏ أنا لم أعلم أني اشتريت جالينوس وقمت إليه فضربته عشر مقارع فلما فرغت من ضربه أخذني وأخذ المقرعة وضربني سبع مقارع وقال‏:‏ يا مولاي الأدب ثلاث والسبع فضل وذلك قصاص فضربتك هذه السبع مقارع خوفًا من القصاص يوم القيامة ‏.‏

فغاظني جدًا فرميته فشججته فمضى من وقته إلى ابنة عمي فقال لها‏:‏ يا مولاتي إن الدين النصيحة وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ من غشنا ليس منا ‏"‏ وأنا أعلمك أن مولاي قد تزوج فاستكتمني فلما قلت له لا بد من تعريف مولاتي الخبر ضربني بالمقارع وشجني فمنعتني بنت عمي من دخول الدار وحالت بيني وبين ما فيها ووقعنا في تخبيط فلم أر الأمر يصلح إلا بأن طلقت المرأة التي تزوجتها‏!‏ فصلح أمري مع ابنة عمي وسمت الغلام الناصح ولم يتهيأ لي أن أكلمه فقلت‏:‏ الآن وجب حقك علي ثم أنه أراد الحج فجهزته وزودته وخرج فغاب عني عشرين يومًا ورجع فقلت له‏:‏ لم رجعت فقال‏:‏ قطع الطريق بي وفكرت فإذا الله تعالى يقول‏:‏ ‏{‏ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا‏}‏ وكنت غير مستطع وفكرت فإذا حقك أوجب فرجعت ‏.‏

ثم أنه أراد الغزو فجهزته فلما غاب عني بعت كل ما أملك بالبصرة من عقار وغيره وخرجت عنها خوفًا من أن يرجع ‏.‏

قال الدارقطني أبو العيناء ليس بقوي في الحديث ‏.‏

أخبرنا يحيى بن علي المدبر أخبرنا أبو بكر علي بن محمد الخياط أخبرنا الحسين بن الحسن بن حمكان قال‏:‏ حدثني أبو عبد الله محمد بن إبراهيم البصري قال‏:‏ حدثنا محمد بن يحيى الصولي قال‏:‏ دخلت على أبي العيناء في آخر عمره وقد كف بصره فسمع صرير قلمي على الدفتر قال‏:‏ من هذا قلت‏:‏ بل ولدي وابن أخي قال‏:‏ ما تكتب فقلت‏:‏ جعلني الله فداءك أكتب شيئًا من النحو والتصريف فقال‏:‏ النحو في الكلام كالملح في الطعام فإذا أكثرت منه صار القدر زعاقًا يا بني إذا أردت أن تكون صدرًا في المجالس فعليك بالفقه ومعاني القرآن وإذا أردت أن تكون منادمًا للخلفاء وذوي المروءة والأدباء فعليك بنتف الأشعار وملح الأخبار ‏.‏

قال المصنف‏:‏ أقام أبو العيناء ببغداد مدة طويلة ثم خرج يريد البصرة فركب في سفينة فيها ثمانون نفسًا فغرقت فلم يسلم منهم غيره فلما وصل إلى البصرة مات ‏.‏

مطلب بن شعيب بن حيان أبو محمد ‏.‏

ولد بمصر وحدث عن أبي صالح كاتب الليث وغيره ‏.‏

وكان ثقة ‏.‏

وتوفي في محرم هذه السنة ‏.‏

مطرف بن عبد الرحمن بن إبراهيم بن محمد بن قيس يروي عن يحيى بن يحيى بن كثير وسحنون بن سعيد وكان له زهد وفضل ‏.‏

توفي بالأندلس في هذه السنة ‏.‏

يحيى بن عثمان بن صالح بن صفوان مولى آل قيس بن أبي العاص السهمي يكنى أبا زكرياء ‏.‏

كان عالمًا بأخبار مصر وبوفيات العلماء وكان حافظًا للحديث وحدث بما لم يكن يوجد عند غيره ‏.‏

توفي في هذه السنة في ذي القعدة ‏.‏

 ثم دخلت سنة ثلاث وثمانين ومائتين

فمن الحوادث فيها‏:‏ شخوص المعتضد لثلاث عشرة بقيت من المحرم بسبب هارون الشاري إلى ناحية الموصل فظفر به وكان سبب ظفره‏:‏ أنه وجه الحسين بن حمدان إليه في جماعة فقال الحسين‏:‏ إن أنا جئت به يا أمير المؤمنين في ثلاث حوائج ‏.‏

قال‏:‏ أولها إطلاق أبي وحاجتان أسألهما بعدمجيء به إليك ‏.‏

فقال المعتضد‏:‏ لك ذلك فامض‏!‏ فمضى فجاء به فخلع المعتضد عليه وطوقه بطوق من ذهب وأمر بحل قيود أبيه إلى أن يقدم فيطلقه وكتب المعتضد إلى بغداد بالظفر ‏.‏

وفي هذه السنة‏:‏ خرج عمرو بن الليث من نيسابور فخالفه رافع بن هرثمة إليها فدخلها وخطب بها لمحمد بن زيد الطالبي وأبيه فقال‏:‏ اللهم أصلح الداعي إلى الحق ‏.‏

فرجع عمرو إلى نيسابور فعسكر خارج المدينة وخندق على عسكره لعشر خلون من ربيع الآخر فناظر أهل نيسابور ثم تواقعا فهزم رافعًا ثم جاء الخبر بقتله ‏.‏

ولعشر بقين من جمادى الأولى أمر المعتضد بالكتاب إلى جميع النواحي برد الفاضل من سهام المواريث على ذوي الأرحام فنفذت الكتب بذلك وقرئت الناس وكان السبب في ذلك أنه استفتى القضاة في ذلك فكتب أبو خازم القاضي وعلي بن محمد بن أبي الشوارب بردها على ذوي الأرحام فصدرت الكتب بذلك وذكرا أنه اتفاق الصحابة عمر وعلي وابن مسعود وغيرهم وإنما خالفهم زيد بن ثابت فإنه رأى ردها إلى بيت المال ولم يتابعه أحد على ذلك وأفتى يوسف بن يعقوي بقول زيد فأمر المعتضد بالعمل بما كتب به أبو خازم والإعراض عن وفي يوم السبت لأربع عشرة ليلة بقيت من جمادى الآخرة شخص الوزير عبيد الله بن سليمان بن وهب إلى الجبل لحرب ابن أبي دلف بأصبهان فاستأمنه فأمنه فصار إليه فقدم به فجلس له المعتضد وخلع عليه ‏.‏

وفي رجب‏:‏ أمر المعتضد بكرى دجيل والاستقصاء عليه وقلع صخر كان في فوهته يمنع الماء فجبى لذلك أرباب الإقطاعات والضياع أربعة آلاف دينار وكسرًا وأنفقت عليه ‏.‏

وفي شعبان هذه السنة‏:‏ كان الفداء بين المسلمين والروم ففودي من المسلمين ألفان وخمسمائة وأربعة أنفس فأطلقت المسلمون وأطلق الروم ‏.‏

وفي هذه السنة‏:‏ خلع على يوسف بن يعقوب القاضي وقلد قضاء الجانب الشرقي من بغداد وكلواذى ونهربين والنهروانات وكور دجلة والخط وخلع على أبي حازم القاضي وولي قضاء الشرقية من بغداد ونادرويا وشقي الفرات وشاطئ دجلة إلى حد عمل واسط مضافًا إلى ما تولاه من القضاء بالكوفة وأعمالها وذلك بعد أن مكث بغداد ثلاثة أشهر وثمانية عشر يومًا بعد وفاة إسماعيل بن إسحاق بغير قاض ثم خلع على علي بن محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب لقضاء مدينة المنصور وقطربل مضافًا إلى ما كان يتولاه من الحكم بسر من رأى وتكريت وطريق الموصل وقعدت الجماعة في مساجد مدينة السلام بالرصافة والشرقية والغربية فقرأوا.  ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر

إبراهيم بن إسحاق بن إبراهيم بن مهران أبو إسحاق الثقفي السراج النيسابوري ‏.‏

سمع أحمد بن حنبل وغيره وكان أحمد يحضره ويفطر عنده وينبسط في منزله وكان ثقة ينزل الجانب الغربي من نواحي قطيعة الربيع ‏.‏

وتوفي في صفر هذه السنة ‏.‏

إسحاق بن إبراهيم بن محمد بن حازم بن سنين أبو القاسم الختلي سمع داود بن عمرو الضبي وعلي بن الجعد وخلقًا كثيرًا ‏.‏

روى عنه الباغندي ‏.‏

وأبو سهل بن زياد وأبو بكر الشافعي وذكره الدارقطني فقال‏:‏ ليس بالقوي وتوفي في هذه السنة وقد بلغ ثمانين سنة وقد ذكرنا قبل هذا بسنتين إسحاق بن إبراهيم الجبلي وربما ظن من لا يعلم أنهما واحد وأن إعجام الحروف اختلط وليس هما كذلك بل هما غيران ‏.‏

أبو القاسم الوراق المؤدب البلخي سكن بغداد وحدث بها فروى عنه ابن مخلد ‏.‏

وتوفي في رمضان هذه السنة ‏.‏

سهل بن عبد الله بن يونس أبو محمد التستري لقي ذا النون المصري وكان من أهل الزهادة وله كلام حسن ‏.‏

أخبرنا عمر بن ظفر أخبرنا جعفر بن أحمد أخبرنا عبد العزيز بن علي حدثنا ابن جهضم حدثنا المفيد حدثنا محمد بن الحسن بن الصباح قال‏:‏ سمعت سهل بن عبد الله يقول‏:‏ أمس قد مات واليوم في النزع وغدًا لم يولد ‏.‏

توفي سهل بفي هذه السنة وقيل‏:‏ في سنة ثلاث وسبعين ومائتين ‏.‏

صالح بن محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن أبو الفضل الشيرازي كان يسكن الجانب الشرقي ببغداد وحدث عن عفان وعلي بن الجعد وخالد بن خداش ‏.‏

روى عنه‏:‏ أبو عمرو بن السماك وأبو بكر الشافعي وكان ثقة مأمونًا قارئًا للقرآن يقول‏:‏ عبد الرحمن بن يوسف بن سعيد بن خراش أبو محمد الحافظ مروزي الأصل ‏.‏

سمع نصر بن علي الجهضمي والدورقي وعلي بن خشرم وكان أحد الرحالين في الحديث إلى الأمصار وممن يوصف بالحفظ والمعرفة إلا أنه ينبز بالرفض ‏.‏

روى عنه‏:‏ أبو العباس بن عقدة ‏.‏

أخبرنا أبو منصور القزاز قال‏:‏ أخبرنا أبو بكر بن ثابت قال‏:‏ أخبرني محمد بن أحمد بن يعقوب القزاز أخبرنا محمد بن نعيم الضبي قال‏:‏ سمعت بكر بن محمد بن حمدان يقول‏:‏ سمعت عبد الرحمن بن يوسف يقول‏:‏ شربت بولي في هذا الشأن - يعني في الحديث - خمس مرات ‏.‏

قال المصنف‏:‏ يشير إلى اضطراره في السفر ‏.‏

توفي في رمضان هذه السنة ‏.‏

علي بن محمد بن أبي الشوارب واسم أبي الشوارب‏:‏ عبد الملك ويكنى علي أبا الحسن الأموي البصري قاضي سر من رأى وبغداد ‏.‏

سمع أبا الوليد الطيالسي وأبا عمر الحوضي وغيرهما ‏.‏

روى عنه‏:‏ ابن صاعد والنجاد وابن قانع وكان ثقة ‏.‏

أخبرنا القزاز أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي أخبرنا علي بن المحسن أخبرنا طلحة بن محمد بن جعفر قال‏:‏ لما مات إسماعيل بن إسحاق مكثت بغداد بغير قاض ثلاثة أشهر وستة عشر يومًا فاستقضي في يوم الخميس لعشر خلون من ربيع الآخر سنة ثلاث وثمانين علي بن محمد بن عبد الملك على قضاء المدينة مضافًا إلى ما كان يتقلده من القضاء بسر من رأى وأعمالها ‏.‏

قال‏:‏ وقبل هذا كان على قضاء القضاة بسر من رأى في أيام المعتز والمهتدي فلما توفي الحسن وجه المعتمد بعبيد الله بن يحيى بن خاقان إلى علي بن محمد فعزاه بأخيه وهنأه بالقضاء فامتنع من قبول ذلك فلم يبرح الوزير عبيد الله من عنده حتى قبل وتقلد قضاء القضاة ومكث يدعى بذلك إلى أن توفي ‏.‏

وهو رجل صالح ضيق الستر عظيم الخطر ثقة أمين على طريق الشيوخ المتقدمين حمل الناس عنه حديثًا كثيرًا ‏.‏

علي بن العباس بن جريح أبو الحسن مولى عبيد الله بن عيسى بن جعفر يعرف‏:‏ بابن الرومي أحد الشعراء المكثرين ‏.‏

أخبرنا ابن ناصر قال‏:‏ أخبرنا أبو عبد الله الحميدي قال‏:‏ أنشدنا أبو غالب بن بشران أخبرنا أبو الحسين بن دينار قال‏:‏ أنشدنا الناجم قال‏:‏ أنشدنا ابن الرومي لنفسه‏:‏ إذا ما مدحت الباخلين فإنما تذكرهم ما في سواهم من الفضل وتهدي لهم غمًا طويلًا وحسرة فإن منعوا منك النوال فبالعدل ومن أبياته المستحسنة ما قال‏:‏ وما الحسب الموروث لادردره بمحتسب إلا بآخر مكتسب فلا تتكل إلا على ما فعلته ولا تحسبن المجد يورث بالنسب فليس يسود المرء إلا بنفسه وإن عد آباء كرامًا ذوي حسب إذا الغصن لم يثمر وإن كان شعبة من المثمرات اعتده الناس في الحطب وله أيضًا‏:‏ عدوك من صديقك مستفاد فلا تستكثرن من الصحاب فإن الداء أكثر ما تراه يكون من الطعام أو الشراب إذا انقلب الصديق غدًا عدوًا مبينًا والأمور إلى انقلاب ولو كان الكثير يطيب كانت مصاحبة الكثير من الصواب ولكن قلما استكثرت إلا وقعت على ذئاب في ثياب فدع عنك الكثير فكم كثير يعاف وكم قليل مستطاب وما اللجج الملاح بمرويات وتلقى الري في النطف العذاب وله أيضًا‏:‏ إذا دام للمرء السواد وأخلقت محاسنه ظن السواد خضابا وكيف يظن الشيخ أن خضابه يظن سوادًا أو يخال شبابا وله أيضًا‏:‏ إذا ما كساك الدهر سربال صحة ولم تخل من قوت يحل ويعذب وفي أربع مني خلت منك أربع فلست بدارٍ أيها هاج لي كربي أوجهك في عيني أم الريق في فمي أم النطق في سمعي أم الحب في قلبي وله أيضًا‏:‏ إن للمجد سبيلًا وعرًا ضيقًا مسلكها فيه صعود ليس تثني بالأباطيل الطلى لا ولا توطأ بالهزل الخدود بل بأن ينصب حر نفسه وبأن يسهر والناس رقود وبأن يلقى بضاحي وجهه أوجهًا فيها عبوس وصدود كلما عددت أثمان العلى ولما يبتاع منهن نقود وله أيضًا في مديحه‏:‏ تحكى المكارم عنكم وهي شاهدة ليست بغيب ولن تحصى بتعديد وما حكاية شيء لا خفاء به جاء القياس فألوى بالاسانيد لا تحسبوني لشيء غير أنفسكم مغرى بتجديد مدح بعد تجديد لكن كما راقت القمري جنته فظل يتبع تغريدًا بتغريد وزهدتني أياديكم وفضلكم في كل شيء سواها أي تزهيد وله أيضًا في مديحه‏:‏ وفي الرقاب وسوم من صنائعكم إن نكرتها رجال بعد إقرار تستعيدون بها الأحرار دهركم فكم عبيد لكم في الناس أحرار تخادعون عن الدنيا مساترة كأن معروفكم إيداع أسرار إن كان أورق أقوام فإنكم مفضلون بتنوير وإثمار كأنما الناس في الدنيا بظلكم قد خيموا بين جنات وانهار لكم خلائق لو تحظى السماء بها لما ألاحت نجوما غير أقمار ومستخف بقدر الشعر قلت له لن ينفق العطر إلا عند عطار ابني البديع واهديه الى ملك يبني الرفيع وما يبني بأحجار يكسي المديح ولم يعور تجرده ككعبة الله لا تكسى لا عوار وقال أيضًا‏:‏ ولي وطن آليت أن لا أبيعه بشيء ولا ألفي له الدهر مالكا وحبب أوطان الرجال إليهم مآرب قضاها الشباب هنالكا إذا ذكروا أوطانهم ذكرتهم عهود الصبا فيها فحنوا لذالكا وقال أيضًا‏:‏ تخذتكم درعا حصينا لتدفعوا نبال العدى عني فكنتم نصالها وقد كنت أرجو منكم خير ناصر على حين خذلان اليمين شمالها فان أنتم لم تحفظوا لمودتي ذماما فكونوا لا عليها ولا لها قفوا موقف المعذور عني بمعزل وخلوا نباتي للعدى ونبالها وقال أيضًا‏:‏ قلبي من الطرف السقيم سقيم لو أن من اشكوا إليه رحيم من وجهها أبدا نهار واضح من فرعها ليل عليه بهيم إن أقبلت فالبدر لاح وإن مشت فالغصن راح وإن رنت فالريم نعمت بها عيني وطال عذابها ولكم عذاب قد جناه نعيم نظرت فأقصدت الفؤاد بسهمها ثم انثنت نحوي فكدت أهيم أخبرنا عبد الرحمن بن محمد أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت أخبرنا أبو يعلى أحمد بن عبد الواحد أخبرنا أحمد بن محمد بن عمران حدثنا الحسن بن أحمد بن السري حدثنا علي بن العباس النوبختي قال‏:‏ بلغني أن أبا الحسن علي بن العباس بن جريج الرومي عليل فمضيت إليه أعوده فقلت له‏:‏ أي شيء خبرك قال‏:‏ أي شيء خبر من يموت‏!‏ فقلت‏:‏ ما أرى سحنتك إلا صافية قال‏:‏ هكذا من يموت يكون قبل ذلك بيوم حسن الوجه‏!‏ فقلت‏:‏ يعافي الله فقال‏:‏ خذ حديثي فإن لم يقطع أن أموت في هذه العلة فاصنع ما شئت‏!‏ أجبت أن أسكن في مدينة أبي جعفر فشاورت صديقًا لي يكنى أبا الفضل وهو مشتق من الإفضال فقال لي‏:‏ إذا عبرت القنطرة فخذ عن يدك اليمني - وهو مشتق من اليمن - وسل عن سكة النعيمية - وهو مشتق من النعيم - وسل عن دار أبي المعافى - وهو مشتق من العافية - فخالفت لشؤمي واقترب أجلي فشاورت صديقًا يقال له جعفر - وهو مشتق من الجوع والفرار - فقال إذا عبرت القنطرة فخذ يسرة - وهو مشتق من اليسر - وسل عن سكة العباس - وهو مشتق من العبوس - وأسكن في دار أبي قليب - وهو مشتق من الانقلاب - وقد انقلبت بي الدنيا كما ترى‏!‏ وأعظم ما علي يجتمع في هذه السدرة في داري في كل يوم عصافير فيصيحون في وجهي سيق سيق فأنا في السياق فعاودته من الغد فإذا هو مات ‏.‏

توفي ابن الرومي في هذه السنة وقيل‏:‏ في سنة أربع وثمانين ‏.‏

العباس بن محمد بن عبد الله بن زياد بن عبد الرحمن بن شبيب أبو الفضل البزاز ويعرف بدبيس مروزي الأصل سمع سريج بن النعمان وعفان بن مسلم وسليمان بن حرب ‏.‏

روى عنه‏:‏ أبو عمرو بن السماك وكان ثقة يشهد عند الحكام ‏.‏

أخبرنا القزاز أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت أخبرنا محمد بن عبد الواحد حدثنا محمد بن العباس‏:‏ قرئ على ابن المنادي وأنا أسمع قال‏:‏ العباس بن محمد الفضل المعروف بدبيس أحد الشهود من الجانب الغربي وكان العم قد غلب على قلبه لحوادث لحقته فركب ذات يوم فأخذ به الحمار إلى طريق خارج السور فسقط فثبتت اليسرى من رجليه في الركاب فإلى أن لحق مشى به الحمار مجرورًا فمات على ذلك وحمل إلى منزله فدفن ليومين خليا من رجب سنة ثلاث وثمانين ‏.‏

محمد بن سليمان بن الحارث أبو بكر الواسطي المعروف بالباغندي حدث عن محمد بن عبد الله الأنصاري وأبي نعيم وقبيصة وغيرهم ‏.‏

روى عنه‏:‏ القاضي المحاملي وأبو عمرو بن السماك وأحمد بن سلمان النجاد وغيرهم وكان أبو داود السجستاني يسأل الباغندي عن الحديث ‏.‏

أخبرنا القزاز قال‏:‏ أخبرنا أحمد بن علي الخطيب قال‏:‏ سمعت أبا الفتح بن أبي الفوارس وسأله أبو محمد الخلال عن الباغندي فقال‏:‏ ضعيف الحديث ‏.‏

وقال الدارقطني‏:‏ لا بأس به ‏.‏

قال الخطيب‏:‏ لا أعلم لأية علة ضعف فإن رواياته كلها مستقيمة ولا أعلم في حديثه منكرًا وتوفي في ذي محمد بن غالب بن حرب أبو جعفر الضبي التمار المعروف بتمتام ولد سنة ثلاث وتسعين ومائة وسكن بغداد فحدث بها عن عفان والقعنبي وقبيصة في خلق كثير وكان صدوقًا حافظًا قال الدار قطني‏:‏ هو ثقة مأمون إلا أنه كان يخطئ توفي في رمضان هذه السنة ‏.‏

يحيى بن المختار بن المنصور بن إسماعيل بن زكريا النيسابوري سكن بغداد وحدث بها عن جماعة روى عنه‏:‏ ابن مخلد وابن المنادي وكان صدوقًا توفي في صفر هذه السنة ‏.‏

 ثم دخلت سنة أربع وثمانين ومائتين

فمن الحوادث فيها‏:‏ قدوم رسول عمرو بن الليث برأس رافع بن هرثمة في يوم الخميس لأربع بقين من المحرم على المعتضد فأمر بنصبه في الجانب الشرقي إلى الظهر ثم أمر بتحويله إلى الجانب الغربي ونصبه هناك إلى الليل ‏.‏

وفي يوم الخميس لأربع عشرة خلت من ربيع الأول‏:‏ خلع على أبي عمر محمد بن يوسف بن يعقوب وقلد قضاء مدينة أبي جعفر مكان علي بن محمد بن أبي الشوارب وقعد للخصوم في الجامع ومكثت مدينة المنصور من لدن مات ابن أبي الشوارب إلى أن وليها أبو عمر بغير قاض وذلك خمسة أشهر وأربعة أيام ‏.‏

وفي هذه السنة‏:‏ أخذ نصراني فشهد عليه أنه قد شتم النبي صلى الله عليه وسلم فحبس ثم اجتمع من الغد العوام بسبب النصراني فصاحوا بالقاسم بن عبيد الله وطالبوه بإقامة الحد على النصراني فلما كان يوم الأحد لثلاث عشرة بقيت من الشهر اجتمع أهل باب الطاق وما يليها من الأسواق ومضوا إلى دار السلطان فلقيهم أبو الحسين بن الوزير فصاحوا به فأعلمهم أنه قد أنهى خبره إلى المعتضد فكذبوه وأسمعوه ما كره ووثبوا بأعوانه حتى هربوا منهم ومضوا إلى دار المعتضد فدخلوا من الباب الأول والثاني فمنعوا فوثبوا على من منعهم فخرج إليهم من سألهم عن خبرهم فأخبروه فكتب به إلى المعتضد فأدخل إليه جماعة منهم وسألهم عن الخبر فذكر له فأرسل إلى يوسف القاضي لينظر في الأمور فمضى معهم الرسول إلى القاضي فكادوا يقتلونه ويقتلون القاضي من كثرة الزحام حتى دخل القاضي بابًا وأغلق دونهم ‏.‏

وفي يوم الخميس لثلاث بقين من ربيع الآخر‏:‏ ظهرت ظلمة بمصر وحمرة في السماء شديدة حتى كان الرجل ينظر إلى وجه الآخر فيراه أحمر وكذلك الحيطان وغيرها فمكثوا كذلك من العصر إلى العشاء وخرج الناس يدعون الله عز وجل ويتضرعون إليه ‏.‏

وفي يوم الأربعاء لثلاث خلون من جمادى الأولى‏:‏ نودي في الأرباع والأسواق ببغداد بالنهي عن وقود النار ليلة النيروز وعن صب الماء في يومه ونودي بمثل ذلك في يوم الخميس فلما كانت عشية الخميس نودي على باب صاحب الشرطة بالجانب الشرقي بأن أمير المؤمنين قد أطلق الناس في وقود النيران وصب الماء ففعلت العامة في ذلك ما جاوز الحد حتى صبوا على أصحاب الشرطة فكان ذلك من أعظم الفتن ‏.‏

وفي هذه السنة‏:‏ أولعت العوام بأن يقولوا لمن رأوه من الخدم السود‏:‏ يا عقعق فبالغوا في أذى الخدم فتقدم بأخذ جماعة وضربهم ‏.‏

وفيها‏:‏ عزم المعتضد على لعن معاوية بن أبي سفيان على المنابر وأمر بإنشاء كتاب يقرأ على الناس بذلك فخوفه عبيد الله بن سليمان اضطراب العامة وحذره الفتنة فلم يلتفت إلى قوله وعملت النسخ وقرئت بالجانبين في يوم الأربعاء لست بقين من جمادى الأولى وتقدم إلى العوام بترك العصبية ومنع القصاص من القعود في الجامع وفي الطرقات ومنعت الباعة من القعود في رحابها ومنع أهل الحلق في الفتيا وغيرهم من القعود في المسجد ونودي يوم الجمعة بنهي الناس عن الاجتماع على قاصٍ أو غيره وأنه قد برئت الذمة ممن اجتمع من الناس على مناظرة أو جدل فمن فعل ذلك أحل بنفسه الضرب وتقدم إلى الذين يسقون الماء في الجامع أن لا يترحموا على معاوية ولا يذكروه وخرج مكتوب فيه‏:‏ قد انتهى إلى أمير المؤمنين ما عليه جماعة من العامة من شبهة قد دخلتهم في أديانهم وفساد قد لحقهم في معتقدهم وعصبية قد غلبت عليهم قلدوا فيها قادة الضلال بلا بيتة وخالفوا السنن المتبعة إلى الأهواء المبتدعة فأعظم أمير المؤمنين ذلك ورأى ترك إنكاره حرجًا عليه في الدين ‏.‏

وفي شعبان ظهر شخص إنسان في يده سيف في دار المعتضد بالثريا فمضى إليه بعض الخدم لينظر من هو فضربه الشخص بالسيف ضربة قطع بها منطقته وبلغ السيف إلى بدن الخادم وهرب الخادم ودخل الشخص في زرع في البستان فتوارى فيه فطلب فلم يعرف له خبر ولم يوقف له على أثر فاستوحش المعتضد من ذلك ورجم الناس الظنون حتى قالوا‏:‏ إنه من الجن ثم عاد الشخص للظهور مرارًا كثيرة حتى وكل المعتضد بسور داره وأحكم عمارة السور وجيء يوم السبت لسبع خلون من رمضان بالمعزمين بسبب ذلك الشخص وجيء معهم بالمجانين وكانوا قد قالوا‏:‏ نحن نعزم على بعض المجانين فإذا أسقط سأل الجني عن خبر ذلك الشخص فصرعت امرأة فأمر بصرفهم ‏.‏

وذكر أبو يوسف القزويني أنه لم يوقف له على أثر ولا عرفت حقيقة ذلك إلا في أيام المقتدر وأن ذلك الشخص كان خادمًا أبيض يميل إلى بعض الجواري اللواتي في دواخل دور الخدم وكان قد اتخذ لحى على ألوان مختلفة وكان إذا لبس بعض اللحى لا يشك من رآه أنها لحية فكان يلبس في الوقت الذي يريده لحية منها ويظهر في ذلك الموضع وفي يده سيف أو غيره من السلاح فإذا طلب دخل بين الشجر وفي بعض الممرات والعطفات ونزع اللحية وجعلها في كمه وبقي معه السلاح كأنه لبعض الخدم الطالبين للشخص فلا يرتاب به أحد وسأل‏:‏ هل رأيتم أحد وكان إذا وقع مثل هذا خرج الجواري من داخل الدور فيرى هو تلك الجارية ويخاطبها بما يريد وإنما كان غرضه مخاطبة الجارية ومشاهدتها وكلامها ثم خرج من الدار في أيام المقتدر ومضى إلى طوس فأقام بها إلى أن مات وتحدثت الجارية بعد ذلك بحديثه ‏.‏

وفي هذه السنة‏:‏ وعد المنجمون الناس بغرق أكثر الأقاليم وقالوا لا يسلم من إقليم بابل إلا اليسير وأن ذلك يكون لكثرة الأمطار وزيادة المياه في الأنهار وقحط الناس في تلك السنة ولم يروا من الأمطار إلا اليسير وغارت المياه في الأنهار والآبار حتى احتاج الناس إلى الاستسقاء فاستسقوا ببغداد مرارًا وكذب الله عز وجل خبر المنجمين ‏.‏

وحج بالناس في هذه السنة محمد بن عبد الله بن داود الهاشمي المعروف بأترجة ‏.‏

 ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر

أحمد بن المبارك أبو عمرو المستملي الزاهد النيسابوري ويلقب بحكمويه العابد سمع قتيبة بن سعيد وإسحاق بن راهويه وأحمد بن حنبل وسريج بن يونس في خلق كثير وكان راهب أهل عصره يصوم النهار ويحيي الليل واستملى على المشايخ ستًا وخمسين سنة وحدث ‏.‏

أنبأنا زاهر بن طاهر قال‏:‏ أنبأنا أبو بكر البيهقي أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحاكم قال‏:‏ سمعت الحسن بن علي بن محمد القاضي يقول‏:‏ حضرت مجلس أبي عثمان سعيد بن إسماعيل ودخل أبوعمرو المستملي وعليه أثواب رثة فبكى أبو عثمان فلما كان يوم مجلس الذكر بكى أبو عثمان في آخر مجلسه ثم قال‏:‏ دخل علي شيخ من مشايخ أهل العلم فاشتغل قلبي برثاثة حاله ولولا أني أجله عن تسميته في هذا الموضع لسميته فجعل الناس يرمون بالخواتيم والدراهم والكسوة بين يديه وتجمع بين يديه فقال أبو عمرو المستملي على رؤوس الناس وقال‏:‏ أنا الذي ذكرني أبو عثمان برثاثة الحال ولولا أني كرهت أن يتهم في غيري فيأثم فيه لسترت ما ستر الله علي فتعجب أبو عثمان من إخلاصه وأخذ جميع ما جمع له وحمله معه وخرج نحو الجامع فبلغ باب الجامع وقد وهب الفقراء كل ما جمع له ‏.‏

وتوفي في جمادى الآخرة من هذه السنة ‏.‏

إبراهيم بن جعفر بن مسعر أبو إسحاق الكرماني قدم مصر وحدث بها وتوفي في هذه السنة ‏.‏

إبراهيم بن عبد العزيز بن صالح أبو إسحاق الصالحي أخبرنا القزاز أخبرنا أحمد بن علي أخبرنا محمد بن عبد العزيز قال‏:‏ الصالحي من ولد صالح صاحب المصلى كان يعرف بالطلب والصلاح كتب الناس عنه ووثقوه وكان ينزل درب سليمان بالرصافة مات في جمادى الأولى سنة أربع وثمانين ‏.‏

إسحاق بن الحسن بن ميمون بن سعد أبو يعقوب الحربي سمع عفان وهوذة بن خليفة والقعنبي وأبا نعيم في آخرين ‏.‏

روى عنه‏:‏ ابن صاعد والنجاد وأبو بكر والشافعي وابن الصواف وكان أكبر من إبراهيم الحربي بثلاث سنين ووثقه إبراهيم والدارقطني وتوفي لأربع عشرة ليلة بقيت من شوال ونودي عليه في أكناف مدينة السلام واجتمع خلق من الناس لحضور جنازته وغلط قوم فقصدوا منزل إبراهيم الحربي فقال لهم إبراهيم‏:‏ ليس إلى هذا الموضع قصدتم وغدًا تأتونه أيضًا‏!‏ وعاش إبراهيم الحربي بعده سنة دون شهرين ‏.‏

إسحاق بن محمد أبو يعقوب مولى بني سدوس وتوفي بمصر في ذي الحجة من هذه السنة ‏.‏

عبد الله بن محمد بن يحيى بن المبارك أبو القاسم العدوي المعروف بابن اليزيدي سمع محمد بن منصور وعبد الرحمن بن يحيى والأصمعي وكان ثقة ‏.‏

وتوفي في محرم هذه السنة ‏.‏

عبيد الله بن علي بن الحسن بن إسماعيل أبو العباس الهاشمي كان الإمام في جامع الرصافة وإليه الحسبة ببغداد وحدث عن نصر الجهضمي روى عنه‏:‏ أبو الحسين بن المنادي وتوفي في صفر هذه السنة ‏.‏

عبد العزيز بن معاوية بن عبد الله بن أمية بن خالد بن عبد الرحمن بن سعيد ابن عبد الرحمن بن عباد بن أسيد أبو خالد القرشي الأموي البصري قدم بغداد وحدث بهب عن أزهر السمان وأبي عاصم النبيل ‏.‏

روى عنه‏:‏ أبو عمرو بن السماك ‏.‏

توفي في ربيع الآخر من هذه السنة ‏.‏

أبو خالد الدقاق يعرف بالباد كذا يقول المحدثون وصوابه‏:‏ البادي بكسر الدال لأنه ولد هو وأخ له توأمان فكان هو البادي في الولادة ‏.‏

سمع عاصم بن علي ويحيى بن معين روى عنه‏:‏ ابن صاعد وغيره ‏.‏

وكان ثقة ‏.‏

وتوفي في شوال هذه السنة ‏.‏

 ثم دخلت سنة خمس وثمانين ومائتين

فمن الحوادث فيها‏:‏ خروج صالح بن مدرك الطائي على الحاج بالأجفر يوم الأربعاء لاثنتي عشرة ليلة بقيت من المحرم فأخذ الأموال والتجارات والنساء والحرائر والمماليك وذكر أنه أخذ من الناس ألفي ألف دينار ‏.‏

ولسبع بقين من المحرم قرئ على جماعة من حاج خراسان في دار المعتضد كتاب بتولية عمرو بن الليث الصفار ما وراء النهر - نهر بلخ - وعزل أحمد بن إسماعيل ‏.‏

وفي هذه السنة‏:‏ كتب صاحب البريد من الكوفة يذكر أن ريحًا صفراء ارتفعت بنواحي الكوفة في ليلة الأحد لعشر بقين من ربيع الأول فلم تزل إلى وقت المغرب ثم استحالت سوداء فلم يزل الناس في تضرع إلى الله عز وجل ثم مطرت السماء بعقب ذلك مطرًا شديدًا برعود هائلة وبروق متصلة ومطرت قرية تعرف بأحمد أباذ حجارة بيضاء وسوداء مختلفة الألوان وأنفذ منها حجرًا فأخرج إلى الدواوين حتى رأوه ثم ورد الخبر من البصرة أن ريحًا ارتفعت بها بعد صلاة الجمعة لخمس بقين من ربيع الأول صفراء ثم استحالت خضراء ثم سوداء ثم تتابعت الأمطار بما لم يروا مثلها قط ثم وقع برد كبار وزن البردة الواحدة مائة وخمسون درهمًا وأن الريح اقتلعت من نهر الحسن خمسمائة نخلة أو أكثر ومن نهر معقل مائة نخلة عددًا وزادت دجلة زيادة مفرطة لم ير مثلها فتهدمت أبنية كثيرة حولها وخيف على الجانبين ‏.‏

وورد الخبر لثلاث خلون من شعبان أن راغبًا الخادم مولى الموفق غزا في البحر فأظفره الله تعالى بمراكب كثيرة وبجميع ما فيها من الروم فضرب أعناق ثلاثة آلاف منهم وأحرق المراكب وفتح حصونًا كثيرة من حصون الروم ‏.‏

وفي عشر من ذي الحجة دخل علي بن المعتضد من الري فتلقاه الناس ودخل إلى المعتضد فقال له‏:‏ يا بني خرجت ولدًا ورجعت أخًا‏!‏ فقال‏:‏ فأمر أن يخلع عليه بين يديه ‏.‏

وفي ذي الحجة خرج المعتضد من بغداد قاصدًا إلى آمد واستخلف ببغداد صالحًا الحاجب وصلى بالناس العيد ابنه علي وانصرف إلى الدار فعمل بها سماطًا للناس ‏.‏

وحج بالناس في هذه السنة محمد بن عبد الله بن داود الهاشمي ‏.‏

 ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر

أحمد بن أصرم بن خزيمة بن عباد بن عبد الله بن حسان بن عبد الله بن مغفل أبو العباس المزني سمع أحمد بن حنبل ويحيى وغيرهما ‏.‏

روى عنه أبو بكر النجاد الحزمي وغيره وكلن ثقة كبير الشأن ‏.‏

توفي في جمادى الأولى في هذه السنة بدمشق ‏.‏

إبراهيم بن إسحاق بن إبراهيم بن بشير بن عبد الله بن ديسم أبو إسحاق الحربي أصله من مرو ولد سنة ثمان وتسعين ومائة وسمع أبا نعيم وعفان بن مسلم وعلي بن الجعد وأحمد بن حنبل وخلقًا كثيرًا ‏.‏

روى عنه‏:‏ ابن صاعد وابن أبي داود وابن الأنباري وغيرهم ‏.‏

وكان إمامًا في العلم غاية في الزهد عارفًا بالفقه بصيرًا بالأحكام ماهرًا في علم الحديث قيمًا بالأدب واللغة ‏.‏

وصنف كتبًا كثيرة ‏.‏

وقال الدارقطني‏:‏ إبراهيم الحربي إمام مصنف عالم بكل شيء بارع في كل علم صدوق كان يقاس بأحمد بن حنبل في زهده وعلمه وورعه ‏.‏

وقال إبراهيم الحربي‏:‏ كان أخوالي نصارى وأمي تغلبية وصحبت قومًا من الكرخ على سماع الحديث فسموني الحربي لأن عندهم من جاز القنطرة العتيقة من الحربية ‏.‏

أخبرنا أبو منصور القزاز قال‏:‏ أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت قال‏:‏ أخبرني الجوهري قال‏:‏ أخبرنا محمد بن العباس الخزاز قال‏:‏ سمعت أبا عمر اللغوي يقول‏:‏ سمعت ثعلبًا يقول أنبأنا القزاز أنبأنا الخطيب قال‏:‏ حدثني الأزهري قال‏:‏ سمعت أبا سعد عبد الرحمن بن محمد الاسترباذي يقول‏:‏ سمعت أبا أحمد بن عدي يقول‏:‏ سمعت أبا عمران الأشيب يقول‏:‏ قال رجل لإبراهيم الحربي‏:‏ كيف قويت على جمع هذه الكتب فغضب وقال‏:‏ بلحمي ودمي بلحمي ودمي‏!‏‏!‏ أخبرنا أبو منصور القزاز قال‏:‏ أخبرنا أبو بكر بن ثابت قال‏:‏ حدثنا عبد العزيز بن علي الوراق قال‏:‏ حدثنا علي بن عبد الله بن جهضم قال‏:‏ حدثنا الخلدي قال‏:‏ حدثنا أحمد بن عبد الله بن خالد بن ماهان قال‏:‏ أجمع عقلاء كل أمة أنه من لم يجر مع القدر لم يتهنأ بعيشة كأن يكون قميصي أنظف قميص وإزاري أوسخ إزار ما حدثت نفسي أنهما يستويان قط وفرد عقبي مقطوع والآخر صحيح أمشي بهما وأدور بغداد كلها هذا الجانب وذاك الجانب لا أحدث نفسي أن أصلحها ‏.‏

وما شكوت إلى أمي ولا إلى أختي ولا إلى بناتي قط حمى وجدتها ‏.‏

وكان يقول‏:‏ الرجل هو الذي يدخل غمه على نفسه ولا يغم عياله ‏.‏

وكان بي شقيقة خمسًا وأربعين سنة ما أخبرت بها أحدًا قط ولي عشر سنين أبصر بفرد عين ما أخبرت بها أحدًا قط وأفنيت من عمري ثلاثين سنة برغيفين إن جاءتني بهما أمي أو أختي أكلت وإلا بقيت جائعًا عطشان إلى الليلة الثانية وأفنيت ثلاثين سنة من عمري برغيف في اليوم والليلة إن جاءتني امرأتي أو إحدى بناتي به أكلت وإلا بقيت جائعًا عطشان إلى الليلة الأخرى والآن آكل نصف رغيف وأربع عشرة تمرة إن كان برنيًا أو نيفًا وعشرين إن كان دقلًا ومرضت ابنتي فمضت امرأتي فأقامت عندها شهرًا فقال إفطاري في هذا الشهر بدرهم ودانقين ونصف ودخلت الحمام واشتريت صابونًا بدانقين وكانت نفقة رمضان كله بدرهم وأربعة دوانيق ونصف ‏.‏

أخبرنا عبد الرحمن بن محمد قال‏:‏ أخبرني عبيد الله بن أبي الفتح قال‏:‏ أخبرنا عمر بن أحمد بن هارون المقرئ أن أبا القاسم بن بكير حدثه قال‏:‏ سمعت إبراهيم الحربي يقول‏:‏ ما كنا نعرف من هذه الأطبخة شيئًا كنت أجيء من عشي إلى عشي وقد هيأت لي أمي باذنجانة مشوية أو لعقة بن أو باقة فجل ‏.‏

قال عمر‏:‏ سمعت أبا علي الخراط قال‏:‏ كنت يومًا جالسًا مع إبراهيم الحربي على باب داره فلما أن أصبحنا قال لي‏:‏ يا أبا علي قم إلى شغلك فإن عندي فجلة قد أكلت البارحة خضرتها أقوم أتغدى بجزرتها ‏.‏

أخبرنا عبد الرحمن بن محمد القزاز قال‏:‏ أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت قال‏:‏ أخبرني أبو نصر‏:‏ أحمد بن الحسين بن محمد بن عبد الله القاضي قال‏:‏ حدثنا أبو بكر‏:‏ أحمد بن محمد بن إسحاق السني قال‏:‏ سمعت أبا عثمان الرازي يقول‏:‏ جاء رجل من أصحاب المعتضد إلى إبراهيم الحربي بعشرة آلاف درهم من عند المعتضد يسأله عن أمر أمير المؤمنين تفرقة ذلك فرده فانصرف الرسول ثم عاد فقال له‏:‏ إن أمير المؤمنين يسألك أن تفرقه في جيرانك فقال‏:‏ عافاك الله هذا ما لم نشغل أنفسنا بجمعه فلا نشغلها بتفرقته قل لأمير المؤمنين إن تركتنا وإلا تحولنا من جوارك ‏.‏

أخبرنا عبد الرحمن بن محمد قال‏:‏ أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت قال‏:‏ حدثني الأزهري قال‏:‏ أخبرنا أحمد بن إبراهيم بن الحسن قال‏:‏ حدثنا أحمد بن مروان قال‏:‏ أخبرنا أبو القاسم بن الجبلي قال‏:‏ اعتل إبراهيم الحربي علة حتى أشرف على الموت فدخلت إليه يومًا فقال لي‏:‏ يا أبا القاسم أنا في أمر عظيم مع ابنتي ثم قال لها‏:‏ قومي اخرجي إلى عمك فخرجت فألقت على وجهها خمارها فقال‏:‏ يا عم نحن في أمر عظيم لا في الدنيا ولا في الآخرة الشهر والدهر ما لنا طعام إلا كسر يابسة وملح وربما عدمنا الملح وبالأمس قد وجه إليه المعتضد مع بدر ألف دينار فلم يأخذها ووجه إليه فلان وفلان فلم يأخذ منهما شيئًا وهو عليل ‏.‏

فالتفت الحربي إليها وتبسم وقال‏:‏ يا بنية إنما خفت الفقر قالت‏:‏ نعم‏!‏ قال‏:‏ انظري إلى تلك الزاوية فنظرت فإذا كتب فقال‏:‏ هناك اثنا عشر ألف جزء لغة وغريب كتبتها بخطي إذا مت فوجهي كل يوم بجزء فبيعيه بدرهم فمن كان عنده اثنا عشر ألف درهم ليس بفقير ‏.‏

قال محمد بن عبد الله الكاتب‏:‏ كنت يومًا عند المبرد فأنشد‏:‏ جسمي معي غير أن الروح عندكم فالجسم في غربة والروح في وطني فليعجب الناس مني أن لي بدنًا لا روح فيه ولي روح بلا بدن وأنشد ثعلب‏:‏ غابوا فصار الجسم من بعدهم لا تنظر العين له فيا يا خجلتي منهم ومن قولهم ما ضرك الفقد لنا شيا قال‏:‏ فأتيت إبراهيم الحربي فأنشدته فقال‏:‏ ألا أنشدته‏:‏ يا حيائي ممن أحب إذا ما قال بعد الفراق أني حييت وقال الحسن بن زكريا العدوي‏:‏ أنشدني إبراهيم الحربي‏:‏ أنكرت ذلي فأي شيء أحسن من ذلة المحب أليس شوقي وفيض دمعي وضعف جسمي شهود حبي أخبرنا القزاز قال‏:‏ أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت قال‏:‏ حدثني عبد الغفار بن عبد الواحد الأرموي قال‏:‏ سمعت أبا يعلى الحافظ يقول‏:‏ سمعت حمزة بن محمد العلوي يقول‏:‏ دخلنا على إبراهيم الحربي - وهو مريض وقد كان يحمل ماؤه إلى الطبيب وكان يجيء إليه ويعالجه فجاءت الجارية فردت الماء وقالت‏:‏ مات الطبيب فبكى وأنشأ يقول‏:‏ إذا مات المعالج من سقام فيوشك للمعالج أن يموتا أخبرنا القزاز قال‏:‏ أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت قال‏:‏ حدثني الحسن بن أبي طالب قال‏:‏ حدثنا عمر بن أحمد الواعظ قال‏:‏ حدثنا علي بن الحسن البزاز قال‏:‏ سمعت إبراهيم الحربي يقول وقد دخل عليه قوم يعودونه فقالوا‏:‏ كيف تجدك فقال‏:‏ أجدني كما قال الشاعر‏:‏ دب في البلاء علوًا وسفلًا وأراني أموت عضوًا فعضوا ذهبت جدتي بطاعة نفسي فتذكرت طاعة الله نضوا توفي إبراهيم الحربي يوم الاثنين لتسع ليال بقين من ذي الحجة ودفن يوم الثلاثاء لثمان بقين من ذي الحجة سنة خمس وثمانين ومائتين وصلى عليه يوسف بن يعقوب القاضي في شارع باب الأنبار وكان الجمع كثيرًا جدًا ودفن في بيته ‏.‏

إسحاق بن المأمون بن إسحاق بن إبراهيم أبو سهل الطالقاني حدث عن الكوسج والربيع بن سليمان ‏.‏روى عنه ابن مخلد وكتب الناس عنه كتاب الشافعي بروايته عن الربيع ومن الحديث شيئًا صالحًا ‏.‏

وتوفي في جمادى الأولى من هذه السنة ‏.‏

بدر بن عبد الله أبو الحسن الجصاص الرومي حدث عن عاصم بن علي وخليفة بن خياط ‏.‏

روى عنه الخطبي والنقاش ‏.‏

وتوفي في محرم هذه السنة ‏.‏

زكريا بن يحيى بن عبد الملك بن مروان أبو يحيى الناقد سمع خالد بن خطاش وأحمد بن حنبل وغيرهما ‏.‏

روى عنه أبو الخلال ومحمد بن مخلد وأبو وكان أحد العباد المجتهدين ومن أثبات المحدثين ‏.‏

قال فيه أحمد بن حنبل‏:‏ هذا رجل صالح ‏.‏

وقال الدارقطني‏:‏ هو فاضل ثقة ‏.‏

أخبرنا عبد الرحمن بن محمد قال‏:‏ أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت قال‏:‏ حدثنا أبو نصر إبراهيم بن هبة الله الجرباذقاني قال‏:‏ حدثنا معمر بن أحمد بن محمد بن زياد الأصبهاني قال‏:‏ قال أبو زرعة الطبري‏:‏ قال أبو يحيى الناقد‏:‏ اشتريت من الله تعالى حوراء بأربعة آلاف ختمة فلما كان ختمة سمعت الخطاب من الحوراء وهي تقول‏:‏ وفيت بعهدك فها أنا التي قد اشتريتني فيقال‏:‏ إنه مات ‏.‏

توفي أبو يحيى الناقد ليلة الجمعة ودفن يوم الجمعة لثمان بقين من ربيع الآخر من هذه السنة ‏.‏

سعيد بن محمد بن سعيد سمع أبا عمر الحوضي روى عنه أبو بكر الشافعي وكان صدوقًا ‏.‏

توفي في شوال هذه السنة ‏.‏

عبد الله بن أحمد بن سوادة أبو طالب مولى بني هاشم حدث عن مجاهد بن موسى وطالوت في جماعة ‏.‏

روى عنه أبو بكر بن مجاهد وابن مخلد وابن عقدة وكان صدوقًا ‏.‏

وتوفي في هذه السنة بطرسوس ‏.‏

عبيد الله بن عبد الواحد بن شريك أبو محمد البزاز حدث عن آدم بن أبي إياس ونعيم بن حماد ‏.‏

روى عنه النجاد والمحاملي وقال الدارقطني‏:‏ هو صدوق ‏.‏

وتوفي في رجب هذه السنة ودفن عند قبر أحمد ‏.‏

محمد بن بشير بن مطر أبو بكر الوراق أخو خطاب بن بشر المذكور‏:‏ سمع عاصم بن علي ومحمد بن عبد الله بن نمير ويحيى بن يوسف الزمي وغيرهم ‏.‏

روى عنه ابن صاعد وأبو جعفر بن بريه وأبو بكر الشافعي وغيرهم ‏.‏

وقال إبراهيم الحربي‏:‏ أخو خطاب صدوق لا يكذب وقال الدارقطني‏:‏ ثقة ‏.‏

وتوفي في رمضان هذه السنة ‏.‏

محمد بن حماد بن ماهان بن زياد أبو جعفر الدباغ سمع علي بن المديني وغيره ‏.‏

وكان ثقة ‏.‏

وتوفي في جمادى الآخرة من هذه السنة ‏.‏

محمد بن يزيد بن عبد الأكبر أبو العباس الأزدي الثمالي المعروف بالمبرد له المعرفة التامة باللغة وكان في نحو البصريين آية ولد سنة عشر ومائتين وقيل‏:‏ سنة ست ومائتين وذكر ابن المرزبان أنه سئل‏:‏ كان سبب ذلك أن صاحب الشرطة طلبني للمنادمة فكرهت الذهاب إليه فدخلت على أبي حاتم السجستاني فجاء رسول صاحب الشرطة يطلبني فقال لي أبو حاتم‏:‏ ادخل في هذا يعني غلاف المزملة فارغ فدخلت فيه وغطى رأسه ثم خرج إلى الرسول فقال أبو حاتم للرسول‏:‏ ليس هو عندي فقال‏:‏ أخبرت أنه دخل إليك فقال‏:‏ فادخل الدار ففتشها ‏.‏

فدخل فطاف كل موضع من الدار ولم يفطن بغلاف المزملة ثم خرج فجعل أبو حاتم يصفق بيديه وينادي على المزملة‏:‏ المبرد المبرد وتسامع الناس ذلك فلهجوا به ‏.‏

وللمبرد المعرفة التامة باللغة وهو أوحد في نحو البصريين ‏.‏

وروى عن المازني وأبي حاتم وغيرهما ‏.‏

وكان موثوقًا به في الرواية وكان بينه وبين ثعلب مفارقة ‏.‏

أخبرنا عبد الرحمن بن محمد قال‏:‏ أخبرنا أحمد بن علي الخطيب قال‏:‏ أخبرنا الجوهري قال‏:‏ أنشدنا محمد بن المرزبان لبعض أصحاب المبرد يمدحه‏:‏ بنفسي أنت يا ابن يزيد من ذا يساوي ثعلبًا بك غير قين إذا مازتكما العلماء يومًا رأت شأويكما متفاوتين تفسر كل معضلة بحذق ويستر كل واضحةٍ بعين كأن الشمس ما تمليه شرحًا وما يمليه همزة بين بين توفي المبرد في هذه السنة ‏.‏

أخبرنا عبد الرحمن بن محمد قال‏:‏ أخبرنا أحمد بن علي قال‏:‏ أخبرنا أحمد بن محمد العتيقي قال‏:‏ حدثنا محمد بن الحسين بن عمر التميمي قال‏:‏ أنشدنا أحمد بن مروان المالكي قال‏:‏ أنشدني بعض أصحابنا لثعلب بن المبرد حين مات‏:‏ مات المبرد وانقضت أيامه وسينقضي بعد المبرد ثعلب بيت من الآداب أصبح نصفه خربًا وباقي نصفه فسيخرب هذا قدر مل روى لنا من هذه الطريق وأنها لثعلب وقد روي لنا من طريق آخر أنها للحسين بن علي المعروف بابن العلاف قالها يرثي المبرد ويمدح ثعلبًا وهي‏:‏ مات المبرد وانقضت أيامه وسيذهبن مع المبرد ثعلب بيت من الآداب أصبح نصفه خربًا وباقي بيته فسيخرب فابكوا لما سلب الزمان ووطنوا للدهر أنفسكم على ما يسلب غاب المبرد حيث لا ترجونه أبدًا ومن ترجونه فمغيب شملتكم أيدي الردى بمصيبة وتوعدت بمصيبة تترقب فتزودوا من ثعلب فبكأس ما شرب المبرد عن قليل يشرب وأرى لكم أن تكتبوا أنفاسه إن كانت الأنفاس مما يكتب فليلحقن بمن مضى متخلف من بعده وليذهبن ونذهب قال المبرد‏:‏ خرجت ومعي أصحاب لي نحو الرقة فإذا نحن بدير كبير فأقبل إلي بعض أصحابي فقال‏:‏ مل بنا إلى هذا الدير للنظر من فيه ونحمد الله سبحانه وتعالى على ما رزقنا من السلامة فلما دخلنا الدير رأينا مجانين مغللين وهم في نهاية القذارة وإذا بينهم شاب عليه بقية ثياب من أين أنتم يا فتيان حياكم الله فقلنا‏:‏ من العراق فقال‏:‏ يا بأبي العراق وأهلها‏!‏ بالله أنشدوني - أو أنشدكم - فقال المبرد‏:‏ والله إن الشعر من هذا لظريف فقلنا‏:‏ أنشدنا فأنشأ يقول‏:‏ الله يعلم أنني كمد لا أستطيع أبث ما أجد روحان لي روح تضمنها بلد وأخرى حازها بلد وأرى المقيمة ليس ينفعها صبر ولا يقوى لها جلد وأظن غائبتي كشاهدتي بمكانها تجد الذي أجد قال المبرد والله إن هذا لظريف بالله زدنا فأنشأ يقول‏:‏ لما أناخوا قبيل الصبح عيرهم ورحلوها فثارت بالهوى الإبل وأبرزت من خلال السجف ناظرها ترنو إلى ودمع العين منهمل وودعت ببنان عقدها عنم ناديت لا حملت رجلاك يا جمل ويلي من البين ماذا حل بي وبهم من نازل البين حان البين وارتحلوا إني على العهد لم أنقض مودتهم فليت شعري لطول العهد ما فعلوا قال المبرد فقال رجل من البغضاء الذين معي‏:‏ ماتوا‏!‏ قال‏:‏ أذن فأموت فقال له‏:‏ إن شئت فمت فتمطى واستند إلى السارية التي كان مشدودا فيها ومات فما برحنا حتى دفناه ‏.‏

وتوفي المبرد في هذه السنة ‏.‏

الوليد بن عبيد بن يحيى أبو عبادة الطائي البحتري من أهل منبج بها ولد سنة ست ومائتين وبها نشأ وتأدب وخرج إلى العراق فمدح المتوكل وخلقًا من الرؤساء والأكابر وأقام ببغداد زمانًا طويلًا ثم رجع إلى بلده فمات به وكان فصيحًا نقي الكلام وقد روى عنه من شعره المبرد وابن المرزبان وابن دستوريه وكان ينحو نحو أبي تمام ويقول أبو تمام الأستاذ وقيل له‏:‏ إن الناس يزعمون أنك أشعر من أبي تمام فقال‏:‏ ولما سمع أبو تمام شعره قال‏:‏ نعيت إلي نفسي فإنه ليس بطول عمري وقد نشأ لطيء مثلك فمات أبو تمام بعد سنة وكان شعر البحتري في المديح أجود من المراثي فسئل عن سبب ذلك فقال‏:‏ كنا نقول للرجاء ونحن الآن نعمل للوفاء وبينهما بعد ‏.‏

أخبرنا أبو منصور القزاز قال‏:‏ أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت قال‏:‏ أخبرني أبو يعلى‏:‏ أحمد بن عبد الواحد الوكيل قال‏:‏ أخبرنا أبو الحسن محمد بن جعفر التميمي قال‏:‏ أخبرنا أبو بكر الصولي عن ابن البحتري قال‏:‏ دخل أبي علي بعض العمال قد ذكره في حبس المتوكل وهو يطالب بما لا يقدر عليه من الأموال فأنشا يقول‏:‏ جعلت فداك الدهر ليس بمنفك من الحادث المشكو والنازل المشكي وما هذه الأيام إلا منازل فمن منزل رجب ومن منزل ضنك وقد هذبتك الحادثات وإنما صفا الذهب الإبريز قبلك بالسبك أقام جميل الصبر في السجن برهة فأمسكه الصبر الجميل إلى الملك ومن شعره أيضًا‏:‏ ألا لا تذكرني الحمى إن ذكره جوى للمشوق المستهام المعذب أتت دون ذاك العهد أيام جرهم فطارت بذاك العيش عنقاء معغرب ويا لائمي في عبرة قد سفحتها لبين وأخرى قبلها للتجنيب تحاول مني شيمة غير شيمتي وتطلب عندي مذهبًا غير مذهبي ولما تزايلنا من الجزع وانتأى مشرق ركب مصعد من مغرب تبينت أن لا دار من بعد عالج تسر وأن لا خلة بعد زينب وقال أيضًا‏:‏ سلام عليكم لا وفاء ولا عهد أما لكم من هجر خلانكم بد أأحبابنا قد أنجز الدهر وعده وشيكًا ولم ينجز لنا منكم وعد أأطلال دار العامرية باللوى سقت ربعك الأنواء ما فعلت هند بنفسي من عذبت نفسي بحبه وإن لم يكن منه وصال ولا ود فقل لبني الضحاك مهلًا فإنني أنا الأفعوان الصل والضيغم الورد وله أيضًا‏:‏ إن جرى بيننا وبينك عتب أو تناءت منا ومنك الديار فالغليل الذي علمت مقيم والدموع التي عهدت غزار وقال أيضًا‏:‏ أقول له عند توديعنا وكل بعبرته مبلس لئن قعدت عنك أجسامنا لقد سافرت معك الأنفس وله أيضًا‏:‏ ترون بلوغ المجد أن ثيابكم يلوح عليها حسنها وبصيصها وليس العلى دراعة ورداؤها ولا جبة موشية وقميصها وله أيضًا‏:‏ تنكر العيش حتى صار أكدره يأتي نظامًا ويأتي صفوه لمعا فقد الشقيق غرام ما يرام وفي فقد التجمل وهن يعقب الظلعا إن البكاء على الماضين مكرمة لو كان ماض إذا بكيته رجعا صعوبة الرزء تلفي في توقعه مستقبلا وانقضاء الرزء أن يقعا هم ونحن سواء غير أنهم أضحوا لنا سلفًا نمشي لهم تبعا وله‏:‏ عجب الناس لاغترابي وفي الأط - راف تغشى منازل الأشراف وجلوسي عن التصرف والأر - ض لمثلي رحيبة الأطراف ليس لي ثروة بلغت مداها غير أني امرؤ كفاني كفافي قد رأى الأصيد المنكب عني صيدي عن فنائه وانصرافي وغبي الأقوام من بات يرجو فضل من لا يجود بالأنصاف أن تنل قدرة فقد نلت صونًا والتغاني بين الرجال تكافي وله‏:‏ مضى أهلك الأخيار إلا أقلهم وبادوا كما بادت أوائل جرهم أبوا أن يذوقوا العيش والذم واقع عليه وماتوا ميتة لم تذمم مساع عظام ليس يبلى جديدها وإن بليت منها رمائم أعظم سلام على تلك الخلائق أنها مسلمة من كل عار ومأثم ولا عجب للأسد إذ ظفرت بها كلاب الأعادي من فصيح وأعجم فحربة وحشي سقت حمزة الردى وحتف علي في حسام ابن ملجم توفي البحتري في هذه السنة زقيل في سنة ثلاث وثمانين وقد بلغ الثمانين سنة ‏.‏

هارون بن عيسى بن يحيى أبو محمد الصيرفي روى عن أبي عبد الرحمن المقري وعبد الله بن عبد الحكم ‏.‏

وكان من عقلاء الناس ثقة في الحديث ‏.‏

وتوفي في ربيع الآخر من هذه السنة ‏.‏

ثم دخلت ورود الخبر في ربيع الآخر أن المعتضد وصل إلى آمد فأناخ بجنده عليها وحاصرها ونصب المجانيق عليها واقتتلوا فبعث رئيسها يطلب الأمان فأمنه فخرج إليه فخلع عليه ووصل رسول من هارون بن خمارويه إلى المعتضد وهو بآمد يخبره أنه قد بذل أنه إن سلمت إليه أعمال قنسرين والعواصم حمل إلى بيت المال في كل سنة أربعمائة ألف دينار وخمسين ألف دينار وأنه يسأل أن يجدد له ولاية مصر والشام فأجيب إلى ذلك فأقام المعتضد بآمد بقية جمادى الأولى وعشرين يومًا من جمادى الآخرة ثم ارتحل عنها وأمر بهدم سورها فهدم بعضه ولم يقدر على هدم الباقي ‏.‏

فقال ابن المعتز يهنئه بفتح آمد‏:‏ اسلم أمير المؤمنين ودم في غبطة وليهنك النصر فلرب حادثة نهضت لها متقدمًا فتأخر الدهر ليث فرائسه الليوث فما يبيض من دمها له ظفر وحكى أبو بكر الصولي‏:‏ أنه كان مع المعتضد أعرابي فصيح يقال له شعلة بن شهاب اليشكري وكان يأنس به فأرسله إلى محمد بن عيسى بن شيخ ليرغبه في الطاعة ويحذره العصيان قال‏:‏ يا أبا شهاب كيف خلفت أمير المؤمنين فقلت‏:‏ خلفته أمارًا بالمعروف فعالًا للخير ‏.‏

فقالت‏:‏ أهل ذلك ومستحقه وكيف لا يكون كذلك وهو ظل الله تعالى الممدود على بلاده وخليفته المؤتمن على عباده فكيف رأيت صاحبنا قلت‏:‏ رأيت غلامًا حدثًا معجبًا قد استحوذ عليه السفهاء واستبد بآرائهم يزخرفون له الكذب فقالت‏:‏ هل لك أن ترجع إليه بكتابي قبل لقاء أمير المؤمنين قلت‏:‏ أفعل ‏.‏

فكتبت إليه كتابًا لطيفًا أجزلت فيه الموعظة وكتبت في آخره‏:‏ أقبل نصيحة أم قبلها وجل خوفًا عليك وإشفاقًا وقل سددًا واستعمل الفكر في قولي فإنك إن فكرت ألفيت في قولي لك الرشدا ولا تثق برجال في قلوبهم ضغائن تبعث الشنآن والحسدا مثل النعاج خمولًا في بيوتهم حتى إذا أمنوا ألفيتهم أسدا واعط الخليفة ما يرضيه منك ولا تمنعه مالًا ولا أهلًا ولا ولدا واردد أخا يشكر ردًا يكون له ردًا من السوء لا تشمت به أحدا قال‏:‏ فأخذت الكتاب وصرت إليه فلما نظر فيه رمى به إلي ثم قال‏:‏ يا أخا بني يشكر ما بآراء النساء تتم الدول ولا بعقولهن يساس الملك ارجع إلى صاحبك ‏.‏

فرجعت إلى المعتضد فأخبرته الخبر فأخذ الكتاب فقرأه فأعجبه شعرها وعقلها ثم قال‏:‏ إني لأرجو أن أشفعها في كثير من القوم ‏.‏

فلما كان من فتح آمد ما كان أرسل إلي المعتضد فقال‏:‏ هل عنك علم من تلك كالمرأة قلت‏:‏ لا‏!‏ قال‏:‏ فامض مع هذا الخادم فإنك ستجدها في جملة نسائها فمضيت فلما بصرت بي من بعد أسفرت عن وجهها وجعلت تقول‏:‏ أريب الزمان وصرفه وعناده كشف القناعا وأذل بعد العز منا الصعب والبطل الشجاعا فأبى بنا المقدور إلا أن نقسم أو نباعا يا ليت شعري هل نرى من بعد فرقتنا اجتماعا ثم بكت حتى علا صوتها وضربت بيدها على الأخرى وقالت‏:‏ إنا لله وإنا إليه راجعون كأني والله كنت أرى ما أنا فيه فقلت لها‏:‏ إن أمير المؤمنين وجه بي إليك وما ذاك إلا لجميل رأيه فيك فقالت‏:‏ فهل لك أن توصل لي رقعة إليه قلت‏:‏ نعم فدفعت إلي رقعة فيها مكتوب‏:‏ قل للخليفة والإمام المرتضى وابن الخلائف من قريش الأبطح علم الهدى ومناره وسراجه مفتاح كل عظيمة لم تفتح بك أصلح الله البلاد وأهلها بعد الفساد وطال ما لم تصلح فتزحزحت بك هضبة العرب التي لولاك بعد الله لم تتزحزح أعطاك ربك ما تحب فأعطه ما قد يحب وجد بعفوك واصفح يا بهجة الدنيا وبدر ملوكها هب ظالمي ومفسدي لمصلح لقد نصحت لو قبل منها وأمر أن يحمل إليها خمسون ألف درهم وخمسون تختًا من الثياب وأمر أن يحمل مثل ذلك إلى ابن عيسى ‏.‏

ووردت الأخبار يوم الخميس لثمان بقين من جمادى الآخرة هدية عمرو بن الليث من نيسابور وكان مبلغ المال الذي وجه به أربعة آلاف درهم وعشرين من الدواب بسروج ولجم محلاة ومائة وخمسين دابة بجلال مشهورة وكسوة حسنة وطيبًا وبزاة وطرف ‏.‏

وفي هذه السنة‏:‏ عبر إسماعيل بن أحمد نهر بلخ يريد عمرو بن الليث الصفار فظفر به وذلك أن أهل بلخ ملوه وضجروا منه ومن نزول أصحابه في منازلهم ومد يده إلى أموالهم وكان أصحاب عمرو قد خرجوا يومًا من بلخ فحمل عليهم أصحاب إسماعيل فانهزموا فانهزم عمرو فأخذ وجيء به إلى إسماعيل فقام إليه وقبل بين عينيه وقال‏:‏ عزيز علي يا أخي ما نالك وغسل وجهه وخلع عليه وحلف له أنه لا يؤذيه ولا يسلمه فجاءه كتاب المعتضد بأن يسلم عمرو بن الليث فسلمه ‏.‏

وكان عمرو يقول‏:‏ لو أردت أن أعمل جسرًا من ذهب على نهر بلخ لفعلت وكان يحمل فرشه ومطبخه على ستمائة جمل فآل به الأمر إلى القيد والذل ‏.‏

وفي هذه السنة ظهر رجل من القرامطة يكنى أبا سعيد فاجتمع إليه جماعة منهم ومن الأعراب وكثر أصحابه وذلك في جمادى الآخرة وقوي أمره فقتل من حوله من أهل القرى ثم صار إلى موضع يقال له‏:‏ القطيف بينه وبين البصرة مراحل وقيل‏:‏ إنه يريد البصرة فكتب أحمد بن محمد الواثقي وكان يتقلد معادن البصرة وكور دجلة إلى السلطان بما قد عزم عليه القرامطة فكتب إليه في عمل سور على البصرة فقدرت النفقة عليه أربعة عشر ألف دينار فبني وغلب أبو سعيد على هجر وأمن أهلها ‏.‏

ومن الحوادث فيها‏:‏ ما أخبرنا عبد الرحمن بن محمد القزاز قال‏:‏ أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت قال‏:‏ أخبرني محمد بن أحمد بن يعقوب قال‏:‏ حدثنا محمد بن نعيم الضبي قال‏:‏ سمعت أبا عبد الله محمد بن أحمد بن موسى القاضي يقول‏:‏ حضرت مجلس موسى بن إسحاق القاضي بالري سنة ست وثمانين ومائتين فتقدمت امرأة فادعى وليها على زوجها خمسمائة دينار مهرًا فأنكر فقال القاضي‏:‏ قد أحضرتهم فاستدعى بعض الشهود أن ينظر إلى المرأة ليشير إليها في شهادته فقام الشاهد وقال للمرأة‏:‏ قومي‏!‏ فقال الزوج‏:‏ تفعلون ماذا قال الوكيل‏:‏ ينظرون إلى امرأتك وهي مسفرة لتصح عندهم معرفتها فقال الزوج‏:‏ فإني أشهد القاضي أن لها علي هذا المهر الذي تدعيه ولا يسفر عن وجهها فأخبرت المرأة بما كان من زوجها فقالت‏:‏ فإني أشهد القاضي أني قد وهبت له هذا المهر وأبرأته منه في الدنيا والآخرة‏!‏ فقال القاضي‏:‏ يكتب هذا في مكارم الأخلاق ‏.‏

 ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر

إسماعيل بن الفضل بن موسى بن مسمار بن هانئ أبو بكر البلخي سكن بغداد وحدث بها عن أبي كريب وغيره روى عنه أبو عمرو بن السماك وأبو بكر توفي في رجب هذه السنة ‏.‏

إسماعيل بن إسحاق بن إبراهيم بن مهران أبو بكر السراج النيسابوري مولى ثقيف‏:‏ سمع إسحاق بن راهويه وأحمد بن حنبل وكان له به اختصاص وكان ثقة ‏.‏

توفي في هذه السنة ‏.‏

أخبرنا أبو منصور القزاز قال‏:‏ أخبرنا أبو بكر بن ثابت الخطيب قال‏:‏ أخبرني محمد بن علي المقرئ قال‏:‏ أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ قال‏:‏ سمعت أبا الوليد‏:‏ حسان بن محمد الفقيه يقول‏:‏ سمعت أبا العباس محمد بن إسحاق السراج يقول‏:‏ واأسفا على بغداد‏!‏ فقيل له‏:‏ ما الذي حملك على الخروج منها قال‏:‏ أقام بها أخي إسماعيل خمسين سنة فلما توفي ورفعت جنازته سمعت رجلًا على باب من هذا الميت قال‏:‏ غريب كان ها هنا‏!‏ فحملتني هذه الكلمة على الانصراف إلى الوطن ‏.‏

إسحاق بن محمد بن أحمد بن أبان أبو يعقوب النخعي وهو إسحاق الأحمر حدث عن عبيد الله بن محمد بن عائشة وإبراهيم بن بشار الرمادي وأبي عثمان المازني وغيرهم ‏.‏

والغالب على رواياته الأخبار والحكايات ‏.‏

روى عنه محمد بن خلف وكيع ‏.‏

أخبرنا أبو منصور عبد الرحمن بن محمد القزاز قال‏:‏ أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب قال‏:‏ سمعت أبا القاسم عبد الواحد بن علي بن برهان الأسدي يقول‏:‏ إسحاق بن محمد بن أبان النخعي الأحمر كان خبيث المذهب رديء الإعتقاد يقول‏:‏ إن عليًا هو الله عز وجل قال‏:‏ وكان أبرص فكان يطلي البرص بما يغير لونه فسمي الأحمر لذلك ‏.‏

قال‏:‏ وبالمدائن جماعة من الغلاة يعرفون بالإسحاقية ينتسبون إليه ‏.‏

قال الخطيب‏:‏ سألت بعض الشيعة ممن يعرف مذاهبهم ويخبر أحوال شيوخهم عن إسحاق فقال لي مثل مقالة عبد الواحد بن علي سواء وقال‏:‏ لإسحاق مصنفات في المقالة المنسوبة إليه التي يعتقدها الإسحاقية ‏.‏

قال الخطيب‏:‏ ثم وقع إلي كتاب لأبي محمد الحسن بن يحيى النوبختي من تصنيفه في الرد على الغلاة وكان النوبختي هذا من متكلمي الشيعة الإمامية فذكر أصناف مقالات الغلاة إلى أن قال‏:‏ وقد كان ممن جرد الجور في الغلو في عصرنا إسحاق بن محمد المعروف بالأحمر وكان ممن يزعم أن عليًا هو الله عز وجل وأنه يظهر في وقت هو الحسن وفي وقت هو الحسين ‏.‏

وهو الذي بعث بمحمد صلى الله عليه وسلم ‏.‏وقال في كتاب له‏:‏ لو كانوا ألفًا لكانوا واحدًا ‏.‏

وعمل كتابًا ذكر أنه كتاب التوحيد فجاء فيه بجنون وتخليط لا يتوهمان فضلًا عن أن يدل عليهما ‏.‏

وكان يقول‏:‏ باطن صلاة الظهر محمد صلى الله عليه وسلم لإظهاره الدعوة قال‏:‏ ‏{‏إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر‏}‏ معنى لأن النهي لا يكون إلا من حي قادر ‏.‏

وقد أورد النوبختي عن إسحاق أشياء كان يحتج بها على مقالته أقلها يوجب الخروج عن الملة نعوذ بالله من الخذلان‏.‏

الحسين بن بشار بن موسى أبو علي الخياط سمع أبا بلال الأشعري وروى عنه أبو بكر الشافعي وكان ثقة صدوقًا أخبرنا أبو منصور القزاز قال‏:‏ أخبرنا أبو بكر‏:‏ أحمد بن علي بن ثابت قال‏:‏ أخبرنا أحمد بن محمد بن أبي جعفر الأخرم قال‏:‏ حدثنا عيسى بن محمد الطوماري قال‏:‏ سمعت أبا عمر‏:‏ محمد بن يوسف القاضي يقول‏:‏ اعتل أبي علة شهورًا فأتيته ذات يوم فدعا بي وبأخوي‏:‏ أبي بكر وأبي عبد الله فقال لنا‏:‏ رأيت في النوم كأن قائلًا يقول‏:‏ كل لا واشرب لا فإنك تبرأ فقال لي أخي أبو بكر‏:‏ إن لا كلمة وليست بجسم وما ندري ما معنى ذلك وكان بباب الشام رجل يعرف بأبي علي الخياط حسن المعرفة بعبارة الرؤيا فجئنا به فقص عليه المنام فقال‏:‏ ما أعرف تفسير ذلك ولكني أقرأ في كل ليلة نصف القرآن فأخلوني الليلة حتى أقرأ رسمي من القرآن وأفكر في ذلك ‏.‏

فلما كان من الغد جاءنا فقال‏:‏ مررت البارحة وأنا أقرأ على هذه الآية‏:‏ ‏{‏من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية‏}‏ فنظرت إلى لا وهي تتردد فيها وهي شجرة الزيتون اسقوه زيتًا وأطعموه زيتًا قال‏:‏ ففعلنا ذلك فكان سبب عافيته ‏.‏

زكريا بن داود بن بكر أبو يحيى الخفاف النيسابوري قدم بغداد وحدث بها فروى عنه ابن مخلد وأبو سهل بن زياد ‏.‏

وكان ثقة ‏.‏

وتوفي بنيسابور في جمادى الآخرة من هذه السنة ‏.‏

زياد بن الخليل أبو سهل التستري قدم بغداد وحدث بها عن إبراهيم بن المنذر الحزامي ومسدد وإبراهيم بن بشار الرمادي ‏.‏

روى عنه أبو بكر الشافعي ‏.‏

ثم صار إلى البصرة وتوفي بعسفان في طريق المدينة قبل أن يدخل مكة في ذي القعدة من هذه السنة ‏.‏

محمد بن الحسين بن إبراهيم بن زياد بن عجلان أبو الشيخ الأصبهاني سكن بغداد وحدث بها عن أبي بكر الأترم والحسن بن محمد الزعفراني ‏.‏

روى عنه أبو بكر الشافعي وكان ثقة ‏.‏

وتوفي ببغداد في هذه السنة ‏.‏

محمد بن يونس بن موسى بن سليمان بن عبيد بن ربيعة بن كديم أبو بكر العباس القرشي البصري المعروف بالكديمي ولد في سنة ثلاث وثمانين ومائة وهو ابن امرأة روح بن عبادة سمع عبد الله بن داود الخريبي ومحمد بن عبد الله الأنصاري وأزهر السمان وأبا داود الطيالسي وأبا زيد النحوي والأصمعي وأبا عبيدة وعفان بن مسلم وأبا نعيم وخلقًا كثيرًا ورحل في طلب العلم وحج أربعين حجة وسكن بغداد وكان حافظًا للحديث كثير الحديث ‏.‏

روى عنه ابن أبي الدنيا وابن الأنباري وابن السماك وأحمد بن سليمان وابن النجاد وآخر من روى عنه أبو بكر بن مالك القطيعي ‏.‏

أخبرنا أبو منصور القزاز قال‏:‏ أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت قال‏:‏ لم يزل الكديمي معروفًا عند أهل العلم بالحفظ مشهورًا بالطلب مقدمًا في الحديث حتى أكثر روايات الغرائب والمناكير فتوقف إذ ذاك بعض الناس عنه ولم ينشطوا للسماع منه ‏.‏

فأنبأني أبو بكر أحمد بن علي اليزيدي قال‏:‏ أخبرنا أبو أحمد محمد بن محمد الحافظ قال‏:‏ محمد بن يونس ذاهب الحديث تركه يحيى بن صاعد وأحمد بن محمد بن سعيد وكان أبو داود يطلق عليه الكذب وكان موسى بن هارون يقول‏:‏ الكديمي كذاب يضع الحديث ‏.‏

وقال سليمان الشاذكوني‏:‏ الكديمي وأخوه وابنه بيت الكذب ‏.‏

وأراد بالكديمي‏:‏ يونس وبأخيه‏:‏ موسى وكان يلقب قال الدارقطني‏:‏ كان الكديمي يتهم بوضع الحديث ‏.‏

قال المصنف‏:‏ ليس محل الكديمي عندنا الكذب وإنما كان كثير الغرائب ولقد حدث عن شاصونة بن عبيد قال‏:‏ حدثنا شاصونة منصرفًا من عدن فلم يعرفوا شاصونة فقالوا‏:‏ هذا حديث عمن لم يخلق فجاء قوم بعد وفاته من عدن فقالوا‏:‏ دخلنا قرية يقال لها الجردة فلقينا بها شيخًا فسألناه‏:‏ أعندك شيء من الحديث فقال‏:‏ نعم فكتبنا عنه وقلنا له‏:‏ ما اسمك فقال‏:‏ محمد بن شاصونة بن عبيد وأملى علينا الحديث الذي ذكره الكديمي ‏.‏

وقد روي لنا حديث شاصونة من غير طريق الكديمي‏:‏ أخبرنا عبد الرحمن بن محمد قال‏:‏ أخبرني القاضي أبو العلاء الواسطي قال‏:‏ أخبرنا محمد بن حمدويه قال‏:‏ سمعت أبا بكر بن إسحاق الضبعي يقول‏:‏ ما سمعت أحدًا من أهل العلم يتهم الكديمي في لقيه كل من روى عنه ‏.‏

أخبرنا عبد الرحمن بن محمد قال‏:‏ أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت قال‏:‏ حدثني الخلال قال‏:‏ حدثنا علي بن محمد الإيادي قال‏:‏ حدثنا أبو بكر الشافعي قال‏:‏ سمعت جعفر الطيالسي يقول‏:‏ الكديمي ثقة ولكن أهل البصرة يحدثون بكل ما يسمعون ‏.‏

أخبرنا عبد الرحمن بن محمد قال‏:‏ أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت قال‏:‏ أخبرنا ابن رزق قال‏:‏ مات الكديمي يوم الخميس ودفن يوم الجمعة قبل الصلاة للنصف من جمادى الآخرة سنة ست وثمانين ومائتين وصلى عليه يوسف بن يعقوب القاضي وكان ثقة ‏.‏

محمد بن يوسف أبو عبد الله البناء لقي ستمائة شيخ وكتب الحديث الكثير وكان يبني للناس بالأجرة فيأخذ منها دانقين لنفقته ويتصدق بالباقي ويختم كل يوم ختمة ‏.‏

وتوفي رحمه الله في هذه السنة ‏.‏

يعقوب بن إسحاق بن تحية أبو يوسف الواسطي سمع يزيد بن هارون ونزل بغداد بالجانب الشرقي في سوق الثلاثاء وحدث بأربعة أحاديث ووعدهم أن يحدثهم من الغد فمات وله مائة واثنتا عشرة سنة رحمه الله ‏.‏

 ثم دخلت سنة سبع وثمانين ومائتين

أن المعتضد دخل من متنزهه ببراز الروز إلى بغداد وأمر ببناء قصر في موضع اختاره من براز الروز فحملت إليه الآلات وابتدئ بعمله ‏.‏

وفي شهر ربيع الأول غلظ أمر القرامطة بالبحرين وأغاروا على نواحي هجر وقرب بعضهم من نواحي البصرة فوجه أمير المؤمنين المعتضد إليهم جيشًا ‏.‏

وفي شهر ربيع الآخر ولى المعتضد عباس بن عمرو الغنوي اليمامة والبحرين ومحاربة أبي سعيد القرمطي وضم إليه زهاء ألفي رجل فسار نحو القرامطة فاقتتلوا فأسر العباس وقتل أصحابه فانزعج أهل البصرة وهموا بالجلاء عنها ثم أطلق العباس ‏.‏

ومن العجائب أنه كان مع العباس عشرة آلاف في محاربة أبي سعيد القرمطي فقبض عليهم أبو سعيد فنجا العباس وحده وقتل الباقون وأن عمرو بن الليث مضى في خمسين ألفًا إلى محاربة إسماعيل بن أحمد فأخذ هو ونجا الباقون ‏.‏

ولإحدى عشرة ليلة خلت من رجب ولي حامد بن العباس الخراج والضياع بفارس وكانت في يد عمرو بن الليث ودفعت كتبه بالولاية إلى أخيه أحمد بن العباس وكان حامد مقيمًا بواسط لأنه كان يليها ‏.‏

وحج بالناس في هذه السنة محمد بن عباد بن داود ‏.‏

أحمد بن إسحاق بن إبراهيم بن نبيط بن شريط أبو جعفر الأشجعي كوفي قدم مصر وحدث بها عن أبيه عن جده ‏.‏

وتوفي بالجيزة من مصر هذه السنة ‏.‏

إسماعيل بن نميل بن زكريا أبو علي الخلال سمع أبا الوليد الطيالسي في آخرين وروى عنه ابن مخلد والطبراني وغيرهما وكان صدوقًا ‏.‏

إسحاق بن مروان أبو يعقوب الدهان حدث عن عبد الأعلى بن حماد روى عنه الطبراني وتوفي في رجب هذه السنة ‏.‏

جعفر بن محمد بن عرفة أبو الفضل

المعدل حدث عنه عبد الصمد الطستي وغيره وكان ثقة مقبولًاعند الحكام ‏.‏

توفي في منصرفه من الحج بالعمق لسبع بقين من ذي الحجة من هذه السنة وجيء به إلى بغداد الحسين بن السميدع بن إبراهيم أبو بكر البجلي من أهل أنطاكية قدم بغداد وحدث بها عن محمد بن المبارك الصوري وإسماعيل بن محمد الصفار ‏.‏

وكان ثقة توفي في هذه السنة ‏.‏

قطر الندى بنت خمارويه تزوجها المعتضد بالله وتوفيت لسبع خلون من رجب هذه السنة ودفنت داخل قصر الرصافة ‏.‏

موسى بن الحسن بن عباد بن أبي عباد أبو السري الأنصاري المعروف بالجلاجلي نسائي الأصل سمع روح بن عبادة وعفان بن مسلم وأبا نعيم والقعنبي ‏.‏

وكان قد قدمه القعنبي في صلاة التراويح فأعجبه صوته فقال‏:‏ كأن صوتك الجلاجل فلقب بذلك ‏.‏

وكان ثقة روى عنه أبو بكر الآدمي القارئ وابن مخلد والنجاد ‏.‏

وتوفي في صفر هذه السنة ‏.‏

أبو سعيد الهروي سمع ابن راهويه وأحمد بن حنبل وابن المديني ‏.‏

روى عنه أبو عمرو بن السماك وكان ثقة حافظًا زاهدًا صالحًا ‏.‏

توفي في شعبان هذه السنة ‏.‏

يعقوب بن يوسف بن أيوب أبو بكر المطوعي سمع أحمد بن حنبل وعلي بن المديني ‏.‏

وروى عنه النجاد والخلدي ‏.‏

أخبرنا أبو منصور القزاز قال‏:‏ أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي بن الخطيب قال‏:‏ حدثنا عبد العزيز بن علي الوراق قال‏:‏ سمعت علي بن عبد الله بن الحسن الهمذاني يقول‏:‏ سمعت جعفرًا الخلدي يقول‏:‏ سمعت أبا بكر المطوعي يقول‏:‏ كان وردي في شيبتي أقرأ في كل يوم وليلة‏:‏ ‏{‏قل هو الله أحد‏}‏ إحدى وثلاثين ألف مرة - أو توفي المطوعي في رجب هذه السنة ودفن بباب البردان ‏.‏

يوسف بن يزيد بن كامل بن حكيم أبو يزيد القراطيسي روى عن أسد بن موسى ورأى الشافعي وكان ثقة صدوقًا وبلغ مائة سنة إلا أربعة أشهر ‏.‏

وتوفي في ربيع الأول من هذه السنة رحمه الله وإيانا وجميع المسلمين بمنه وكرمه ‏.‏

 ثم دخلت سنة ثمان وثمانين ومائتين

فمن الحوادث فيها‏:‏ ورود الخبر بوقوع الوباء بآذربيجان فمات به خلق كثير إلى أن فقد الناس ما يكفنون به الموتى وكفنوا في الأكيسة والجلود واللبود ثم صاروا إلى أن لم يجدوا من يدفن الموتى فكانوا يتركونهم في الطريق على حالهم ‏.‏

وفيها‏:‏ غزا نزار بن محمد عامل الحسن بن علي على كورة الصائفة ففتح حصونًا كثيرة للروم وأدخل طرسوس مائة علج ونيفًا وستين علجًا من الشمامسة وصلبانًا كثيرة وأعلامًا ‏.‏

ولا ثنتي عشرة خلت من ذي الحجة وردت كتب التجار من الرقة أن الروم قد وافوا في مراكب كثيرة وجاء منهم قوم على الظهر إلى ناحية كيسوم فاستاقوا من المسلمين أكثر من خمسة عشر ألف إنسان ما بين رجل وصبي فمضوا بهم وأخذوا فيهم قومًا من أهل الذمة ‏.‏

وفي هذه السنة‏:‏ كسفت الشمس فظهرت الظلمة ساعات ثم هبت وقت العصر ريح بناحية دبيل سوداء إلى ثلث الليل ثم زلزلوا وخسف بهم فلم ينج إلا اليسير ‏.‏

وورد الخبر بأنه قد مات تحت الهدم في يوم واحد أكثر من ثلاثين ألف إنسان ‏.‏

ودام هذا عليهم أيامًا فبلغ من هلك خمسون ومائة ألف إنسان ‏.‏

وحج بالناس في هذه السنة هارون بن محمد ‏.‏

 ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر

إبراهيم بن حبيب أبو إسحاق الأنصاري الزاهد مغربي الأصل توفي بمصر في ذي الحجة من هذه السنة ‏.‏

أنيس بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبان سمع أبا نصر التمار وغيره ‏.‏

روى عنه المحاملي وابن السماك وأبو بكر الشافعي ‏.‏

وكان ثقة ‏.‏

وتوفي في ربيع الأول من هذه السنة وقيل بل في سنة سبع ‏.‏

بشر بن موسى بن صالح أبو علي الأسدي ولد سنة تسعين ومائة وسمع من روح بن عبادة حديثًا واحدًا ومن حفص بنعمر العدني حديثًا واحدًا وسمع الكثير من هوذة بن خليفة والحسن بن موسى الأشيب وأبي نعيم وعلي بن الجعد والأصمعي وغيرهم ‏.‏

روى عنه ابن صاعد وابن مخلد وابن المنادي والنجاد وأبو عمر الزاهد وجعفر بالخلدي والخطبي والشافعي وابن الصواف وغيرهم ‏.‏

وكان آباؤه من أهل البيوتات والفضل والرياسة والنبل وكان هو في نفسه ثقة أمينًا عاقلًا ركينًا ‏.‏

وكان أحمد بن حنبل يكرمه ‏.‏

أخبرنا أبو منصور القزاز قال‏:‏ أخبرنا أبو بكر‏:‏ أحمد بن علي بن ثابت قال‏:‏ أخبرنا الخلال قال‏:‏ أخبرنا أحمد بن محمد بن عمران قال‏:‏ أنشدني بشر بن موسى لنفسه‏:‏ ضعفت ومن جاز الثمانين يضعف وينكر منه كل ما كان يعرف ويمشي رويدًا كالأسير مقيدًا تداني خطاه في الحديد ويرسف توفي بشر في ربيع الأول من هذه السنة وصلى عليه محمد بن هارون بن العباس الهاشمي صاحب الصلاة ودفن في مقربة باب التبن وكان الجمع كثيرًا ‏.‏

ثابت بن قرة أبو الحسن الصابئ الطيب ولد سنة إحدى وعشرين ومائتين ‏.‏

توفي هذه السنة وكان غاية في علم الطب والفلسفة والهندسة ‏.‏

جعفر بن محمد بن سوار أبو محمد النيسابوري حدث عن قتيبة وعلي بن حجر وكان ثقة ‏.‏

وتوفي في ذي القعدة من هذه السنة ‏.‏

الحسن بن عمرو بن الجهم حدث عن علي بن المديني وحكايات عن بشر الحافي ‏.‏

روى عنه أبو عمرو بن السماك وقال‏:‏ السبيعي وإنما هو الشيعي من شيعة المنصور ‏.‏

توفي في هذه السنة ‏.‏

عبد الله بن محمد بن عزيز أبو محمد التميمي الموصلي حدث عن غسان بن الربيع ‏.‏

روى عنه إسماعيل الخطبي وقال‏:‏ توفي في رجب هذه السنة ‏.‏

العباس بن حمزة بن عبد الله بن أشرس أبو الفضل الواعظ النيسابوري سمع قتيبة بن سعيد وأحمد بن حنبل وعبيد الله بن عمر القواريري وغيرهم ‏.‏

وصحب أحمد بن أبي الحواري ‏.‏

ودخل على ذي النون وكان شديد الاجتهاد يصوم النهار ويقوم الليل وكان يقول‏:‏ لقد لحقتني بركة ذي النون وكان مجاب الدعوة وسئل عن الزهد فقال‏:‏ ترك ما يشغلك عن الله تعالى أخذه وأخذ ما يبعدك عن الله تركه ‏.‏

محمد بن أحمد بن روح بن حرب أبو عبد الله الكسائي حدث عن محمد بن عباد المكي وغيره ‏.‏

وتوفي ربيع الأول من هذه السنة ‏.‏

محمد بن بشر بن مروان أبو عبد الله الصيرفي حدث عن محمد بن حسان السمتي وغيره ‏.‏

روى عنه ابن صاعد وابن قانع وغيرهما أحاديث مستقيمة ‏.‏

هارون بن محمد بن إسحاق بن موسى بن عيسى بن موسى أبو موسى الهاشمي أمام الناس في الحج سمع وحدث ‏.‏

وتوفي بمصر في رمضان هذه السنة وكان ثقة عدلًا رحمه الله ‏.‏

ثم دخلت فمن الحوادث فيها‏:‏ انتشار القرامطة بسواد الكوفة فوقع بعض العمال بجماعة منهم وبعث رئيسًا لهم إلى المعتضد فأمر به فقلعت أضراسه ثم خلعت عظام يده ثم قطعت يداه ورجلاه وقتل وصلب ‏.‏

ولليلتين خلتا من شهر ربيع الأول أخرج من كانت له دار وحانوت بباب الشماسية عن داره وحانوته وقيل لهم‏:‏ خذوا أنقاضكم واخرجوا وذلك أن المعتضد كان قد قدر أن يبني لنفسه هنالك دارًا يسكنها فخط موضع السور وحفر بعضه وابتدأ في بناء دكة على دجلة وكان أمير المؤمنين المعتضد قد أمر ببنائها لينتقل فيقيم فيها إلى أن يفرغ من بناء الدار والقصر فمرض المعتضد بالله فأرجف به فقال عبد الله بن المعتز‏:‏ طار قلبي بجناح الوجيب جزعًا من حادثات الخطوب وحذرًا من أن يشاك بسوء أسد الملك وسيف الحروب لم يزل أشيب وهو ابن عشر بغبار الحروب قبل المشيب ثم راضته التجارب حتى ما عجيب عنده بعجيب جال شيطان الأراجيف فينا بحديث مؤلم للقلوب وكأن الناس أغنام راع غاب عنها فأحسست بذيب وقعت منا مواقع ماء في حريق مشعل ذي لهيب رب أصحبة سلامة جسم وأحبه منك بعمر رحيب وفي شهر ربيع الآخر‏:‏ توفي أمير المؤمنين المعتضد بالله رحمه الله واستخلف ابنه المكتفي بالله ‏.‏

وكثرت في هذه السنة الزلازل فكان في رجب زلزلة شديدة وانقضت الكواكب لثمان خلون من رمضان من جميع السماء في وقت السحر فلم تزل على ذلك إلى أن طلعت الشمس ‏.‏

آخر هذا الجزء المبارك والله أعلم ‏.‏

ووافق الفراغ منه في صفر المبارك عام خمسة وثمانمائة وقت أذان الظهر ووافق وقت فراغه الدعاء لمالكه بالتأييد والنصر والسلامة في الأهل والمال والولد والعفو والعافية في الدين والآخرة ولمن كتبه أو نظر فيه ولجميع المسلمين ‏.‏

يتلوه في الجزء الذي بعده‏:‏ باب ذكر الخلافة المكتفي بالله والحمد لله رب العالمين ‏.‏

وصلى الله على سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه أجمعين ‏.‏

وحسبنا الله ونعم الوكيل ‏.‏

 باب ذكر خلافة المكتفي بالله

واسمه علي بن المعتضد ويكنى أبا محمد وليس في الخلفاء من يكنى أبا محمد إلا الحسن بن علي وموسى الهادي والمكتفي والمستضيء بأمر الله ولا من اسمه علي غير بن أبي طالب ولد في رجب سنة أربع وستين وكان المعتضد لما اشتدت علته أمر بأخذ البيعة لابنه علي بالخلافة من بعده فأخذت البيعة بذلك على الناس ببغداد ‏.‏

في عشية يوم الجمعة لإحدى عشرة بقيت من ربيع الآخر من هذه السنة قبل موت المعتضد بأربعة أيام ثم جددت له البيعة صبيحة الليلة التي مات المعتضد فيها وكان المكتفي بالرقة فلما بلغه الخبر أخذ البيعة على من عنده ثم انحدر إلى بغداد ‏.‏

وأم المكتفي تركية لم تدرك خلافته ويقال لها حيحق ‏.‏

وكان ربعة جميلًا رقيق اللون حسن الشعر وافر اللحية عريضها وهنأه رجل فقال‏:‏ أجل الرزايا أن يموت إمام وأسنى العطايا أن يقوم إمام فأسقى الذي مات الغمام وجاده ودامت تحيات له وسلام وأبقى الذي قام الاله وزاده مواهب لا يفنى لهن دوام وتمت له الآمال واتصلت بها فوائد موصول بهن تمام هو المكتفي بالله يكفيه كل ما عناه بركن منه ليس يرام وكان المكتفي يقول الشعر قال الصولي‏:‏ أنشدنا لنفسه‏:‏ إني كلفت فلا تلحوا بجارية كأنها الشمس بل زادت على الشمس ومن شعره‏:‏ من لي بأن يعلم ما ألقى فيعرف الصبوة والعشقا ما زال عبدًا وحبي له صيرني عبدًا له حقا أعتق من رقي ولكنني من حبه لا أملك العتقا أخبرنا عبد الرحمن بن محمد قال‏:‏ أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت قال‏:‏ أخبرني الأزهري قال حدثنا‏:‏ أحمد بن إبراهيم حدثنا إبراهيم بن محمد بن عرفة قال‏:‏ كان المكتفي بالله حين مات أبوه المعتضد بالرقة فكتب إليه بوفاته فشخص نحو العراق فوافى مدينة السلام يوم الاثنين لثمان خلون من جمادى الأولى سنة تسع وثمانين ومائتين وصار في الماء إلى القصر الحسني ومر بالجيش على الظهر على غير تعبئة وقد كان الجند تحركوا قبل موافاته مدينة السلام فوضع القاسم بن عبيد الله فيهم العطاء وأخذ عليهم البيعة وكان في بيت المال يومئذ عشرة آلاف ألف دينار وجوهر قيمته عشرة آلاف ألف دينار غير الآلات والخيل وكان سن المكتفي يوم بويع له خمسًا وعشرين سنة وعشرين يومًا ووزر له القاسم بن عبيد الله ثم العباس بن الحسن وكان القاضي يوسف بن يعقوب وابنه محمد بن يوسف ‏.‏

وكان نقش خاتمه‏:‏ ‏"‏ علي يتوكل على ربه ‏"‏ ‏.‏

وكان له من الولد‏:‏ محمد وجعفر وعبد الصمد وموسى وعبد الله وهارون والفضل وعيسى والعباس وعبد الملك ‏.‏

وفي أيامه فتحت إنطاكية وكان الروم قد استولوا عليها فلما فتحت استنقذ من المسلمين أربعة آلاف رجل وقتل من أهلها خمسة آلاف ‏.‏

وأصاب كل مسلم من هذه الوقعة ثلاثة آلاف دينار وظفر للروم بستين مركبًا عملوها للغزو ‏.‏

أخبرنا القزاز قال‏:‏ أخبرنا أبو بكر الخطيب قال‏:‏ كانت صلاة الجمعة ببغداد لا تقام إلا في جامع المنصور وجامع المهدي إلى أن استخلف المعتضد وأمر بعمارة القصر الحسني وأمر ببناء مطامير في الدار وكان الناس يصلون الجمعة في الدار وليس هناك رسم للمسجد إنما يؤذن للناس في الدخول وقت الصلاة ويخرجون عند انقضائها فلما استخلف المكتفي في هذه السنة نزل القصر وأمر بهدم المطامير وأن يجعل موضعها مسجدًا جامعًا فاستقرت الصلاة في الجوامع الثلاثة إلى وقت خلافة المتقي وفي يوم دخول المكتفي إلى القصر الحسني أمر بإحضار القاسم بن عبيد الله وخلع عليه ست خلع وقلده سيفًا وحمل على فرس لجامه وسرجه من ذهب ‏.‏

وفي رجب من هذه السنة زلزلت بغداد ودامت الزلزلة بها أيامًا وليالي كثيرة ‏.‏

وفي هذه السنة ظهر أقوام من القرامطة وانتشروا في البلدان وقطعوا طريق الحاج وتسمى وفي اليوم التاسع من ذي الحجة صلى الناس العصر ببغداد في ثياب الصيف فهبت ريح وبرد الهواء حتى احتاج الناس إلى الاصطلاء بالنار ولبس المحشو وجعل البرد يزداد حتى جمد الماء ‏.‏

وحج بالناس في هذه السنة الفضل بن عبد الملك الهاشمي ‏.‏

 ذكر من توفي في هذه السنة من الأكابر

أحمد بن محمد المعتضد بالله أمير المؤمنين كانت علته تغير المزاج والجفاف من كثرة الجماع وكان يوصف له أن يقل الغذاء ويرطب معدته ولا يتعب وكان يستعمل ضد ما يوصف له ويريهم أنه يحتمي فإذا خرجوا دعا بالخبز والزيتون والسمك فسقطت قوته واشتدت علته يوم الجمعة لاحدى عشرة ليلة بقيت من ربيع الآخر سنة تسع وثمانين واجتمع الجند متسلحين ‏.‏

وتوفي في يوم الاثنين لثمان بقين من ربيع الآخر من هذه السنة وغسله أحمد بن شيبة عند زوال الشمس وصلى عليه يوسف بن يعقوب القاضي وحضر الوزير القاسم بن عبيد الله وأبو حازم وأبو عمر وخواص الخدم وكان أوصى أن يدفن في دار محمد بن عبيد الله بن ظاهر فحفر له فيها وحمل من قصره المعروف بالحسني ليلًا فدفن ‏.‏

وكانت خلافته تسع سنين وتسعة أشهر وخمسة أيام وبلغ من السن خمسًا وأربعين سنة وعشرة أشهر وأيامًا ‏.‏

أخبرنا أبو منصور القزاز قال‏:‏ أخبرنا أحمد بن علي أبو بكر بن ثابت أخبرنا أحمد بن عمر بن روح النهرواني أخبرنا المعافى بن زكريا حدثنا أحمد بن جعفر بن موسى البرمكي قال‏:‏ حدثنا صالح الحربي قال‏:‏ لما مات المعتضد كفن والله في ثوبين قوهى قيمتهما ستة عشر قيراطًا ‏.‏

بدر غلام المعتضد قيل‏:‏ وكان سبب قتله أنه لما مات المعتضد هم القاسم بن عبيد الوزير أن يجعل الخلافة في غير ولد المعتضد فامتنع من ذلك بدر وكان صاحب جيش المعتضد والمستولي على الأمر قال‏:‏ ما كنت لأصرفها عن أولاد مولاي فاضطغنها القاسم عليه وعقد للمكتفي لما كان بين المكتفي وبين بدر من التباعد في حياة أبيه فقدم المكتفي من الرقة وبدر بفارس يحارب فعمل القاسم في هلاك بدر خوفًا على نفسه من بدر أن يطلع المكتفي على ما كان عزم عليه فأرسل المكتفي إلى بدر يعرض عليه الولايات فأبى وقال‏:‏ لا بد لي من المصير إلى مولاي فقال القاسم للمكتفي‏:‏ إني لا آمنه عليك فإنه قد أظهر العصيان ‏.‏

فغيره عليه فبعث المكتفي إلى جماعة من القواد الذين مع بدر فأمرهم بفراقه ففارقوه وقدموه على المكتفي وقصد بدر واسطًا فوكل المكتفي بداره وأمر بمحو اسمه من الأعلام والتراس ودعا القاسم أبا حازم القاضي وأمره بالمضي إلى بدر ولقائه وتطييب نفسه ومخاطبته بالأمان من أمير المؤمنين على نفسه وماله وولده ‏.‏

فقال أبو حازم‏:‏ أحتاج إلى سماع ذلك من أمير المؤمنين حتى أؤديه إليه ‏.‏

فقال‏:‏ إني لسان أمير المؤمنين وما أظنك تتهمني في الحكاية عنه ‏.‏

قال‏:‏ فأقول لبدر إن الوزير‏:‏ قال كذا قال‏:‏ لا قال فأكذب وكان قد دفع إليه كتاب أمان من المكتفي ثم قال له‏:‏ انصرف حتى أستأذن لك ‏.‏

ثم دعا أبا عمر - محمد بن يوسف فأمره بمثل الذي أمر به أبا حازم فسارع إلى إجابته واستقر الأمر أن يدخل بدر بغداد سامعًا مطيعًا فلما قرب بعث القاسم بعض خدم السلطان فأخذه من السفينة ومضى به إلى جزيرة ودعا بسيف فلما تيقن القتل سأله‏:‏ ان يمهله حتى يصلي ركعتين فأمهله فصلى وأعتق جميع مماليكه ‏.‏

وقتل في رمضان هذه السنة وأخذ رأسه وتركت جثته أيامًا حتى وجه عياله فأخذوها سرًا فحملوها أيام الموسم إلى مكة فدفنوها وتسلم السلطان ضياعه ودوره ‏.‏

ورجع أبو عمر قل لقاضي مدينة المنصور بم أحللت أخذ رأس الأمير بعد إعطائه المواثيق والعه - - - د وعقد الأمان في منشور جعفر بن موسى أبو الفضل النحوي يعرف بابن الحداد أخبرنا أبو منصور القزاز قال‏:‏ أخبرنا أبو بكر بن ثابت الخطيب قال‏:‏ أخبرنا محمد بن عبد الواحد حدثنا محمد بن العباس قال‏:‏ قرئ على ابن المنادي وأنا أسمع قال‏:‏ وأبو الفضل جعفر بن موسى النحوي كتب الناس عنه شيئًا من اللغة وغريب الحديث وما كان من كتب أبي عبيد مما سمعه من أحمد بن يوسف الثعلبي وغير ذلك من ثقات المسلمين وخيارهم ‏.‏

توفي يوم الأحد بالعشي ودفن في يوم الاثنين لثلاث خلون من شعبان سنة تسع وثمانين ودفن قرب منزله ظهر قنطرة البردان ‏.‏

الحسن بن علي بن ياسر أبو علي الفقيه روى عنه الطبراني وكان ثقة مضى إلى مصر وكتب عنه بها ‏.‏

وتوفي في ربيع الآخر من هذه السنة ‏.‏

أبو علي المقرئ الرازي ويعرف بالجمال سكن بغداد وحدث بها عن جماعة ‏.‏

وروى عنه ابن صاعد وابن مخلد والنقاش وكان ثقة ‏.‏

توفي في رمضان من هذه السنة ‏.‏

الحسين بن محمد بن عبد الرحمن بن فهم بن محرز بن إبراهيم أبو علي ولد سنة إحدى عشرة ومائتين وسمع من خلف بن هشام ويحيى بن معين ومحمد بن سعد وغيرهم ‏.‏

روى عنه أحمد بن معروف الخشاب وابن كامل القاضي والخطبي والطوماري وكان عسرًا في الرواية متمنعًا إلا لمن أكثر ملازمته وكان يسكن الجانب الشرقي في ناحية الرصافة ‏.‏

أخبرنا القزاز قال‏:‏ أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت الخطيب قال‏:‏ حدثنا الحسن بن أبي بكر عن أحمد بن كامل القاضي قال‏:‏ كان الحسين بن محمد متقنًا في العلوم كثير الحفظ للحديث مسنده ومقطوعه ولأصناف الأخبار والنسب والشعر والمعرفة بالرجال فصيحًا متوسطًا في الفقه يميل إلى مذهب العراقيين وسمعته يقول‏:‏ صحبت يحيى بن معين فأخذت عنه معرفة الرجال وصحبت مصعب بن عبد الله فأخذت عنه معرفة النسب وصحبت أبا خيثمة فأخذت عنه المسند وصحبت الحسن بن حماد سجادة فأخذت عنه الفقه ‏.‏

وتوفي في رجب سنة تسع وثمانين ومائتين وبلغ ثمانيًا وسبعين سنة ‏.‏

قال الخطبي‏:‏ ودفن بباب البردان وكان يومئذ ببغداد زلزلة شديدة ‏.‏

وقال الدارقطني‏:‏ ليس بالقوي ‏.‏

أخبرنا القزاز قال‏:‏ أخبرنا أحمد بن علي قال‏:‏ أخبرنا الأزهري حدثنا عبد الرحمن بن عمر الخلال قال‏:‏ سمعت محمد بن أحمد بن يعقوب بن شيبة يقول‏:‏ سمعت أبا بكر بن أبي خيثمة يقول‏:‏ لما ولد فهم - يعني والد الحسين بن فهم - أخذ أبوه المصحف فجعل يصفح فجعل كلما صفح ورقة يخرج ‏{‏فهم لا يعقلون‏}‏ ‏{‏فهم لا يعلمون‏}‏ ‏{‏فهم لا يبصرون‏}‏ ‏{‏فهم لا يسمعون‏}‏ فضجر فسماه فهمًا ‏.‏

عمارة بن وثيمة بن موسى أبو رفاعة الفارسي ولد بمصر وحدث عن أبي صالح كاتب الليث وغيره وصنف تاريخًا على السنين وحدث به ‏.‏

عمرو بن الليث الصفار‏:‏ من كبار الأمراء توفي في هذه السنة ودفن قريبًا من القصر الحسني‏.‏